الصفحة 101 من 122

الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين وناصر المستضعفين، عدو الظالمين ومذل المستكبرين، القائل في محكم كتابه {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، إمام المجاهدين والصابرين وسيد الخلق أجمعين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

فإن سنة الأسر ماضية وباقية ما دامت السماوات والأرض وما دام التدافع قائمًا بين الحق وأهله والباطل وأهله، ويظل قادتنا وعلماؤنا الصادعين بالحق أكثر المستهدفين من هذا الابتلاء، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وعلماء الأمة ورثة الأنبياء ولابد أن تطالهم سهام الابتلاء أكثر من غيرهم.

لن أقف طويلًا على فوائد الأسر - بالرغم من أهميتها وكثرتها - فليس هذا مقامه، لكني أود فقط التذكير ببعض الحكم الكامنة وراءه والإشارة إلى أن السجن جزء لا يتجزأ من ضريبة الحق ومرحلة لابد منها قبل التمكين، فهي اصطفاء رباني لعباده المخلصين لتكتمل عملية إعدادهم وتربيتهم قبل تحمل مسئوليات الإمامة {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [1] ، فلابد من الصبر على تبعات الطريق ولابد من اليقين في وعد الله لنا بالنصر والتمكين ووعيده سبحانه في حق الظالمين، سنة الله ولن تجد لسنة تبديلًا.

إعلم أن طريق الدعوة والجهاد محفوف بالمكاره وليس محفوفًا بالشهوات، فالله تعالى يذكرنا ويؤكد على أن الداعية أو المجاهد لابد أن يلقى من أعدائه إحدى ثلاث {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [2] .

فلابد من أن يصيبنا إحدى هذه الابتلاءات الثلاثة: سجن أو قتل أو تهجير [ويدخل فيه المطاردة] . فهناك درجات لا ينالها المؤمن إلا بالتضحية والإقدام في سبيل نصرة دينه، وما غاية المؤمن الصادق سوى نيل رضا ربه والفوز بجنة الرضوان، وكل ما يخطط له ويصبو إليه من خلال تدبيره هو أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة.

فهل هناك من عائق يمكن أن يوقف هذا المؤمن عن تحقيق مراده ونيل غايته سواء كان ترغيبًا أو ترهيبًا؟ لا والله، فليس هناك نعيمًا أكبر ولا أدوم من نعيم الجنة، كما أنه ليس هناك عذابًا أعظم وأقسى من عذاب النار، ومن هنا على المؤمن أن يختار لنفسه أي المصيرين يريد، وعليه أن يتحمل مسؤولية اختياره هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت