[الكاتب: حسن الحسن]
بسم الله الرحمن الرحيم
الأسرُ مأساةٌ، تتجاوز آلامه مرارة فقدان الصحب والأحبة ووداعهم إلى الدار الآخرة، بخاصة إذا ما كان الأسير قد وقع بين يدي عدو لئيم، معتدٍ أثيم، لا يرقب في المؤمنين إلا ولا ذمة، لذلك كان تحرير الأسرى من أجَلِّ الأعمال وأوجبها وأرقاها.
في واقعنا المفجع؛ نشاهد الأسير تلحق به قوافل من الأسرى، من غير بارقة أمل بالعتق والتحرير، ولا مغيث ولا مجيب ولا منتصر لهم بعد الله سوى بعض من حمل همهم وآثر خوض حِمَامِ الأعادي حتى يستخلص بما يظفر به من خصوم الأمة أسرى قابعين في السجون عقودًا طويلة، أولئك الذين ما زال ينتظر الكثيرون منهم عقودًا أخرى قد لا تنتهي قبل أن تطوى صفحات حياتهم إلى الأبد.
لذلك كان لا مناص من تسوية قضيتهم عاجلًا أم آجلًا، حتى لو أدى ذلك إلى فقدان أضعاف أعدادهم من أجل تحريرهم!
فالموتُ حقيقة لا مفرّ منها، والإنسان لا بُدّ ملاق حتفه رغم أنفه، ولكن حياة الاعتقال المرّ والأسر المهين، ذلك المصير الذي ألمَّ بأصحابه جراء تضحياتهم من أجل قضايا أمتهم، لا يقبل استمراره شعبٌ عزيز ولا أمةٌ كريمة أبدا، فضلًا عمّا للأسر من تداعياتٍ لا يعلمها بعد الله تعالى إلا أصحابها وذووهم.
في تاريخنا؛ عندما استصرخت امرأة وقعت في أسر الروم أمير المؤمنين المعتصم بالله، هبَّ الخليفة لنجدتها بجيش طوى الأرض مسابقًا، حامل الرسالة إلى نقفور كلب الروم ليؤدب من اعتدى على أمَة الله.
أما وقد آل حالنا اليوم إلى عبيد الروم، وقد أحكموا وثاقنا، ووضعوا على المقصلة رقابنا، فلا ندري والله إلى من نلجأ بعد الله، ومن أي عدو نحذر، الحاكم الجبان، أم العدو الصائل الرعديد؟!
فحكام العرب في زماننا، وبعد أن كانوا ينسجون خيوط الخيانة في الخفاء، وبعد أن كانوا يظهرون نقيض ما يضمرون من شرور للأمة، ها هم يخلعون ستر الحياء، ويعلنونها صراحةً بلا مواربة، لمَ التهور والمغامرة؟! وما هو الذي جرأ تلك التنظيمات على أسر جند كيان يهود؟!
ذلك الكيان الذي سهر حكام العرب على رعايته إلى أن أصبح وحشًا هائمًا على وجهه، بفضل حسن تمكينهم له وتفانيهم في قمع شعوبهم للحيلولة دون القضاء عليه، فضلًا عن أنهم أسكنوا أقبية سجونهم المظلمة عشرات الآلاف من شباب الأمة، من الذين يتطلعون إلى التحرير والخلاص.
ومن عاثر حظ حكامنا؛ فضح وسائل الإعلام مباركتهم المشينة لضربات دولة يهود على أيدي المقاومين وحثهم لهم على تدميرهم والقضاء عليهم.
لقد [سقط] هؤلاء الحكام منذ أمد بعيد في حبائل الشيطان، وتعاقدوا مع أتباعه في حلفٍ مقدس لمحاربة كل فضيلة، فها هم يبتئسون لأي فرحة تصيب الأمة، وينتشون بأي مأساة تكتوي الأمة بنيرانها.
إن هؤلاء الحكام يخشون أن تتجرأ عليهم شعوبهم، ويتحسبون بحساسية مفرطة من انتقال عدوى الثورة إلى أجيال تقبع في أسواق النخاسة، ضربوا عليها قيود العبودية بمقامع من حديد.
ألا ليت الأرض تنشق وتبتلعهم، حاكمًا تلو آخر، ثم تطبق عليهم ولا تبقي لهم أثرًا، وعسى أن تصيبهم السماء بصواعق الموت الزؤام فتصرعهم، ولا تبقي لهم حسًّا ولا تُسمِع لهم بعد اليوم همسًا.
رباه يا جبار يا الله، إنهم شرذمة نالوا من عبادك، وأذلوا أولياءك، وعضدوا أعداءك، وخذلوا أمة نبيك في كل موقعة أوجبت عليهم نصرتها فيها، فأرنا اللهم عظيم قدرتك فيهم، وعجيب تدبيرك لهم، وفرّج اللهم كرب أمة يتيمة منكوبة بعبيد الشهوة والدنانير من زعماء وقادة وعلماء ومثقفين ... آمين.