فهرس الكتاب
مأساة السجينة رقم (650)
نموذج لإهانة المرأة في الدول الغربية الديمقراطية
كانت صرخاتها تصخُّ آذان حراس السجن، ولكنهم لم يكونوا من الذين ترقُّ قلوبهم عند سماع أنينٍ أو توجُّعٍ أو صراخ، وطال عليهم العهد بمثل هذه الأمور فلم يعودوا يعبؤون بها، وقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة.
كان السجن للرجال وليست فيه امرأة واحدة غير هذه المسكينة التي ساقها القدر إلى هذا المكان القاسي. كانت إذا ألجأتها الضرورة إلى الذهاب إلى الحمام لم يكن أمامها إلا الحمامات التي يستخدمها الآخرون وهم كلهم رجال، وحمامات السجون - كما هو معروف - ليست لها أبواب. وكان الحراس يتسلّون بها في لياليهم الباردة بكل فعل شيطاني يخطر على فكر أكثر الناس انحلالًا. إذا خلت إلى نفسها كانت كثيرًا ما تتساءل: ماذا فعلتُ حتى أستحق كل ما يحدث لي؟!
قضت الدكتورة (عافية صدِّيقي) زهرة حياتها في أمريكا تتعلم في جامعة (ماساتشوستس للتكنولوجيا) حتى تخرَّجت طبيبة متخصصة في علم الأعصاب، وهو تخصص نادر، ثم عادت إلى وطنها (باكستان) لتخدم بلدها وتساهم في التخفيف من آلام الشعب الباكستاني المسكين الذي تتوالى عليه المصائب من حكَّامه العسكريين والمدنيين؛ المنتخَبين والمفروضين عليه؛ فالشعب الباكستاني هو آخر ما يفكر فيه حكَّامه.
عاشت الدكتورة (عافية صدِّيقي) عيشة هادئة بين أُسرتها وعملها، وتزوجت، ولكن زواجها لم يستمر طويلًا؛ فقد طلَّقها زوجها الدكتور (أمجد) ، بعد أن رُزقت منه ثلاثة أولاد بقوا في رعايتها. وفي يوم من أيام صيف عام 2003م سافرت من (راولبندي) حيث مقر عملها إلى (كراتشي) لتزور والدتها وأختها، وبعد انتهاء الزيارة خرجت من بيت أمها تقلُّها سيارة أجرة لتوصلها إلى المطار، ولكنها لم تصل، ولم يعلم عنها أحد شيئًا حتى أهلها؛ فقد اختفت مع أولادها الثلاثة، وكان عمر أكبرهم أربع سنوات، وأصغرهم لم يتجاوز الشهر الواحد، وحين حاول أهلها السؤال عنها مُنعوا من ذلك؛ فقد اتصلت الاستخبارات الباكستانية بأمها وأختها - وهما طبيبتان أيضًا - تطالبهما بالتزام الصمت، وبعد فترة حين ألحَّت الأم لمعرفة مصير ابنتها وأحفادها اتصل بها وزير الداخلية آنذاك وهو (فيصل صالح حيات) ، ووعدها بعودة ابنتها وأولادها الثلاثة إليها قريبًا، ولكنهم لم يعودوا. مضت خمس سنوات ولم يعرف عنها أحد شيئًا إلا ما يقال عن امرأة مجهولة الهوية تعيش حياة بئيسة في