أما أولها؛ فقوله تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) ، وأما الثانية فهى قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) ، وأما الثالثة فقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) .
فلو تدبرت هذه الايات الثلاث لعلمت ان الدين هو ما كان أمرا أو نهيًا منه، فقد أمرنا ان نتبع ما أنزل إلينا على رسولنا صلى الله عليه وسلم ولم يستثنى من هذه الاية أى مكلف أبدا. ومما انزل الينا؛ ان ننتهى عما نهانا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وان نفعل ما أمرنا به ونتأسى به فيما عمل - مالم يكن في ذلك مخصص له - فإذا أردت السلامة فخذ بهذا الميزان.
وإذا جاءك امر أو ناه عن امر، فقل له؛ هل امر الله ورسوله بذلك؟ وهل نهى الله ورسوله عن ذلك أو عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبهذا تكشف علمه أو جهله.
بشرط؛ ألا وهو عدالة ذلك القائل عند المسلمين الذين يعتد بكلامهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث البخارى (أنتم شهداء الله في ارضه فمن شهدتم له بخير وجبت له الجنة) ، ولأن الفاسق لايؤخذ خبره إلا بعد التثبت والتبين، فلذلك جاء ديننا بالاسناد، فهو قد أتى به جبريل عن ربه، وقد قال الله في وصف جبريل عليه السلام: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) وقوله: (مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) ، ومن جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذى قال الله عنه: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) ، وكذلك قال الله تعالى عنه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه العدول الذين وصفهم الله تعالى فقال: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) ، وقال عنهم: (رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) ، وقد سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله في الحديث المتواتر: (من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) ، وقد قال ابن الطفيل رضى الله عنه كما في صحيح مسلم (لو لم أسمع هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سبع مرات ماحدثت به) ، واتبعهم أهل الحديث الذين لايقبلون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بشروط؛
أن يكون الراوى عدلا، وضد العدالة الفسق فلا تقبل رواية فاسق.
ثانيًا: وأن يكون الراوى ضابطا، فلا تقبل رواية من يخلط في روايته.
ثالثًا: ان أن يكون السند يتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذين الشرطين في كل راوى والا تكون في الحديث علة تقدح في روايته والا يخالف الراوى الضابط من هو أضبط منه.