آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، وقال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ، روى أبو داوود وغيرُه عن أبي أيوب -رضي الله عنه- أنها نزلت في الأنصار لما ظهر الإسلام؛ فأرادوا إصلاح أموالِهم وتركَ الجهاد. فهلاكُ النفوسِ وفسادُ الدين والدنيا؛ إنما هو في تركِ مدافعة العدوِّ، وإحياؤها في نصرة الدين.
وانظروا فيما رواه الشيخان من حديث أبي مسعودٍ الأنصاري -رضي الله عنه- أن رجلًا جاء إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني أتأخر عن الصلاة مِن أجلِ فلان؛ مما يطيل بنا فيها. قال: فما رأيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قط أشد غضبًا في موعظةٍ مِنه يومئذٍ، ثم قال: (يا أيها الناس، إن منكم لمنَفِّرين! فأيُّكم صلَّى بالناس فليوجِزْ؛ فإنَّ فيهم الكبيرَ والضعيفَ وذا الحاجة) ، وفي الصحيحين من حديث جابر: (أفتان أنت يا معاذ؟!) ، فإطالةُ الصلاةِ بما يشقُّ على الضعيف، ويحبسُ ذا الحاجة، عدَّه أفقهُ عِبادِ الله بمصلحةِ الدعوة وأحرصُهم عليها؛ فتنةً للناسِ وتنفيرًا لهم عن الدين، فما أعظم فتنة مَن يُخذِّلُ عَن نصرةِ إخوانِه المسلمينَ بالحقِّ، ويترك هو نصرتَهم في أعظمِ قضاياهم، ويُسلِمهم للمجرمين، أيسمعون بَعدُ له؟ أيثقون به؟ أيقبلون عليه؟ أيُصلِح هذا دعوتَه أم يقضُّها حتى تذروها الرياح؟ أفلح مَن فقه.
وممَّا يجبُ وليس يحصلُ اليومَ بغيرِ النزول إلى الميدان؛ ممانعةُ العسكر، وأن يحولَ الشعبُ بينَهم وبين استدامةِ السلطة لهم، والذهابِ بالثورةِ فيرجع الناسُ إلى ما كانوا فيه قبلها، وهذا كان أبْصَرَه مِن قبلُ بعضُ أهلِ البصائر وحذَّروا مِنه، وأقاموا عليه الدلائل، وبيَّنوا علاماتِه للسائل؛ وإنه اليومَ مما يُرى بالعَين:
أمرْتُهُمْ أمرِي بمنعرجِ اللوى ... فلم يَستبينوا الرشدَ إلا ضحى الغد
ولا يَجوزُ أن ينازِعَ القيادةَ اليومَ مَن لم يرَ الشرَّ إلا بعد نزولِه، وأدركه لمَّا أدركَه سائرُ الناسِ؛ ثم هو يريد أن يسيرَ بالركب -وفيه أهل البصائر- إلى حيثُ تُريه عينُه، ويَعتبُ عليهم إن لم يعملوا برأيه؛ هلَكَ إذًا وهَلكوا جميعًا!