أعمى يقودُ بصيرًا، لا أبا لَكُمُ ... قد ضلَّ من كانتِ العميانُ تَهديه
الرشدُ والنجاة في أن يتأخَّر هؤلاء مكانًا كما تأخَّروا إدراكًا وعملا، ويتقدَّمَ الصفَّ مَن أثبتَت الأيامُ نفاذَ بصيرتِه، وصِدقَ نصيحتِه، وقوَّةَ عزيمتِه، فليس هذا المقام الجليل لكلِّ أحدٍ ولو كان في نفسِه صالحًا وعالمًا، فلخالدٍ ما يرأسُ فيه، ولأبي ذرٍّ غيرُه، ولولا أنَّ كلاًّ عرَفَ ما يحسنُه فقام فيه؛ لما ظَهَرَت الشريعةُ وما فُتِحَت الأمصار.
ومِنْ أفسدِ الآراء رأيُ مَن يرى اليومَ أنَّ النزولَ إلى الميدانِ يُعينُ العسكرَ على ما يريدون؛ فهذا قد يكون له وجهٌ فيناقَش لو قيلَ لمنعِ النزولِ قبل أن يكون، أما وقد نزل الناسُ، وذهبت النفوس، وسُفِكَت الدماء، واضطربت البلاد، وكان ما نحن فيه؛ فلا يعين العسكرَ مثلُ أن يَكسروا أهلَ الميدان ويَظهروا عليهم ويُفرِّقوا جمعَهم؛ فهذا سيكون إعلانًا عمليًّا عن استتبابِ الأمرِ ودوامِه لهم، ولن ينزِعَ المُلكَ مِنهم الشعبُ إلا بثورة، وأنَّى ذلك إذا طال على الناسِ الطريقُ وضعُفَت العزائم، وهو ما فهمَه أهلُ الرأيِ الحازم، والبصرِ النافذ؛ فهَبُّوا إلى مؤازرةِ الشبابِ في الميدان؛ لمدافعةِ العسكرِ، وقلبِ تدبيرِهم إلى ثورةٍ عليهم تريدُ أن يجتمعَ الصفُّ كلُّه فيها:
الواسعونَ إذا ما جرَّ غيرُهُمُ ... على العشيرةِ والكافونَ ما جَرَمُوا
هُمُ البحورُ عَطاءً حين تسألُهُمْ ... وفي اللقاءِ إذا تلقى بِهِمْ؛ بُهَمُ
ولا يَحسن بذي دينٍ وبَصَرٍ ومُرُوءةٍ ونجدةٍ أن يتخلَّف عَنهم؛ يريدُ أن يحملَ الناسَ على سبيلٍ حسَّنَه ضعفُ البصيرة، وسوءُ الرأي، وحبَّبه إلفُ دفعِ الشرِّ بالكفِّ والامتناع، وعدمُ الخبرةِ بدروب السَّيرِ التي يضلُّ فيها مَن لا دليلَ له خِرِّيتًا بصيرًا بالمسالك.
فمَن قال إن العسكرَ يتِّخذون الاضطرابات ذريعةً إلى مرادهم؛ كيف لا يتبين له أنَّه بعد أن كان الاضطراب؛ لم يَعُد بُدٌّ مِن نصرةِ الثائرين واللحاق بهم؛ فهما سبيلان: فسد سبيلُ التقيةِ والتهدئةِ أو أفسَدَه العَسكرُ، فلم يعد غيرُ سبيلِ المواجهةِ