بوافد عديدة تدخل في تشكيل الأيديولوجية الصهيونية
لقد تداخلت روافد عديدة لتشكيل الأيديولوجية الصهيونية: بعضها ينتسب إلى الدين • مثل القول بأن شعبا بعينه من شعب الله المختار، منذ القديم وإلى الأبد: وبعضها لا أساس علمي له، مثل الادعاء بأن جماعات متفرقة مشتتة في قارات العالم الخمس، متنوعة الألسن والثقافات، مختلطة الأعراق والدماء، شديدة التباين في مستويات الحضارة واشد تباينا في المسار التاريخي لكل منها، تكون شعبا واحدا أو قومية واحدة أو أمة واحدة، لا لشيء إلا السبب الانتماء إلى ثقافة دينية لم يعد أغلب أبنائها يؤمن بالأساس الروحي الذي تقوم عليه، واتخاذ مواقف مشتركة على طول التاريخ وعرضه من الخلق جميعا قائمة على الاستعلاء عليهم، واستباحة أغلبهم ممارسات اقتصادية في التعامل مع الأغيار (كالربا واحتراف أعمال الوساطة والجباية والصيرفة المرتكزة على شبكات اتصال مترابطة تغطي كافة أرجاء المعمورة) كانت في مختلف الجماعات التي تفرقوا بينها في مرحلة الشتات، هي المسئولة بدرجات متفاوتة عن تأليب فقراء الناس وأمرائهم وأغنيائهم، على التتابع أو على التوازي، ضدهم
هذه الأيديولوجية وبعض الممارسات المرتبطة بها لم تكن قط حكرا على من اعتنقها من بين أبناء الديانة اليهودية: فعلى مدى التاريخ، وفي مختلف الثقافات والظروف الاجتماعية، كانت تبرز وتختفي بصورة كئيبة متكررة أيديولوجيات مشابهة، أقربها في الزمن إلينا الأيديولوجيات العنصرية المعاصرة التي تمتزج بدرجات مختلفة مع الأيديولوجية الرأسمالية السائدة في الغرب:
ولأنها أيديولوجيات مريضة لا أساس علميا أو إنسانيا أو خلقيا لها، كان التاريخ يتكفل على الدوام، طال الوقت أو قصر بتصفيتها. لكن ظروفا تاريخية معينة تجمعت في أواخر القرن الماضي وامتدت طوال القرن العشرين تفشت في هذه الأيديولوجية المريضة المنهكة روحا جديدة أكسبتها ضراوة غير معهودة، وقدرة فذة على التأقلم والمناورة والتطور وتغيير الجلد وانتهاز الفرص وأصبحت هذه الروح الجديدة، لا النصوص التوراتية القديمة، هي التي تحدد في المحل الأخير ويشكل لا لبس فيه طبيعتها ونشاطها العملي؛ اليهودية الكلاسيكية أو الأرثوذكسية كانت اليهودية الكلاسيكية هي الرائد الأعظم تاثيرا في تشكيل الأيديولوجية الصهيونية.