الأوروبي الأشمل حيث مزقتها الانقسامات ما بين المتعصبين الجدد لليبرالية اقتصادية المذهب المحافظ ذي النزعة الأكثر اجتماعية، سواء من كانوا فيه راغبين في أن تصلح الدولة أخلاق المواطنين الآخذة في التفسخ، أو المحتفظين بقلق أبوي خاص بشبكات الضمان الاجتماعي، فهذه الفصائل تتشاجر مع بعضها البعض بينها بخشي المؤيدون أن تتعرض أوضاعهم الاجتماعية ودخولهم للخطر وسط هذه الاضطرابات.
وماذا إذن عن أحزاب يسار الوسط وأغلبها يصف نفسه بالاشتراكية الديمقراطية؟ هذه الأحزاب أيضا واجهت مشاكل: ففي الواقع لم يكن انهيار الشيوعية سوى ذروة الاستفاقة الآخذة في الانتشار من اليسار القديم بكل أشكاله الرئيسية الثلاثة: الأحزاب الشيوعية والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية وحركات التحرير الوطني؛ وهي استفاقة تم التلويح بها بشدة من خلال ثورات 1968 العالمية، كما أنه من غير المستغرب أن تكون هذه الاستفاقة نتيجة النجاح السياسي لهذه الحركات، ذلك لأنها عندما وصلت إلى السلطة أثبتت هذه الحركات نفسها أنها ليست قادرة فعليا على تحقيق وعودها التاريخية التي وعدت بها في حال توليها سلطة البلاد، وهي بناء مجتمع جديد أي تحويل المجتمع تحويلا ملموسا حيث يصبح أكثر مساوة وديمقراطية.
وفي أوروبا الغربية، كان اليسار القديم يعني أساسا في الديمقراطيين الاجتماعيين، وماحدث منذ عام 1968 وأكثر منه في عام 1989 هو أن الناس كان يصوتون لهذه الأحزاب على أنها الخيار الأقل ضررا ولكنهم لم يرقصوا في الشارع فرحا عندما كانوا يفوزون في انتخاب، ولم يتوقع أحد منهم أن يحدثوا ثورة ولا حتى ثورة سلمية. أكثر الذين تبدد و همهم كانوا قادة الأحزاب أنفسهم، الذين اضطروا إلى التحدث بلغة والطريق الثالث». وبالإضافة إلى ذلك جاءت الاستفاقة من أحزاب اليسار القديم مع الخروج من كل هياكل الدولة نفسها، فقد كانت الشعوب تتحمل حكوماتها وكانت حتى تمتدحها باعتبارها وكلاء محتملين للتحول الاجتماعي، والآن أصبح ينظر إليها على أنها بالأساس وكلاء للفساد واستخدام قوة غير ضرورية، فهي لم تعد حصن المواطن بل أصبحت عبئا عليه.