أما المسيحية فبدأت حركة دينية بين اليهود في هذا الوطن. لكن سرعان ما قطع المسيحيون صلاتهم بالجماعة اليهودية وانتشرت المسيحية بين غير اليهود، بالأخص في الإمبراطورية الرومانية، الشاسعة آنذاك. وبعد ثلاثة قرون فقط أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية وانتهج المسيحيون على مدار خمسمائة إلى سبعمائة عام تالية سياسة تنصير لاسيما في أنحاء القارة الأوروبية، وفيما بعد، كان بناء النظام العالي الحديث ينطوي على ما يسمي توسع أوروبا، العسكري والسياسي والاقتصادي والديني في آن؛ وفي هذا السياق كانت إرساليات التبشير المسيحي تطوف الكرة الأرضية وكان نجاحها فائقا بشكل ملحوظ في مناطق العالم التي لم تسدها أديان عالمية أخرى، حيث ظلت أعداد المتنصرين في المناطق الإسلامية والبوذية والهندوسية والكونفوشيوسية الطاوية في أغلبها منخفضة نسبيا وخاصة في المناطق الإسلامية.
وأخيرا ظهر الإسلام في المنطقة نفسها بعد حوالى ستة قرون من ظهور المسيحية، وكان كذلك دينا دعويا سرعان ما انتشر في منطقة ما يسمى الآن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشبه جزيرة أيبيريا، وفي القرن السادس عشر أخرج من أيبيريا لكنه دخل بالتزامن في ما يسمى الآن البلقان. طوال هذا الوقت كان بوسع منطقته الجغرافية شرقا في اتجاه جنوب شرق آسيا وجنوبا في القارة الأفريقية. وفي القرن العشرين، استمرت عملية الانتشار حتى وصل، عن طريق الهجرة والاهتداء، للنصف الغربي من الكرة الأرضية) وغرب أوروبا.
لم أقدم سوى تلخيص المعلومات مدرسية، وقد استعرضت هذا الدرس الجغرافي الأشير إلى أننا نميل في تفكيرنا وكلامنا إلى أن المسيحية مثل الغرب والإسلام يمثل الشرق، رغم عالمية الأديان الثلاثة من ناحية نطاقها وادعائها، وبالأخص المسيحية والإسلام، هناك دون شك أساس جغرافي ما لهذا الموجز ولكن أقل مما نتخيل کا أنه يتناقص، ومن ثم فسؤالنا هو: لماذا نصر على استخدام هذا الموجز الجغرافي؟ من الواضح أن مغزاه السياسي أهم من مغزاه الجغرافي.