فهرس الكتاب
كان التحدي الذي يقف أمام فريدمان وزملائه، هو كيفية إثبات إمكانية ارتقاء السوق إلى مستوى تصورهم المثالي لها. لطالما كان فريدمان يفاخر بانه يستطيع أن يقارب علم الاقتصاد بالدقة والمثابرة نفسيهما اللتين يمكن أن يقارب بهما علمي الفيزياء والكيمياء. إلا أن العلماء المثابرين يكونون قادرين على الإشارة إلى سلوكية العناصر التي من شأنها أن تثبت نظريتهم، على عكس فريدمان الذي لم يستطع أن يدلل إلى أي نموذج الاقتصاد حي أخلبت منه الشوائب، ففسح المجال لمجتمع مثالي وسخي. وتفسير ذلك أنه لم تتوفر في أي بلد في العالم المعايير اللازمة لسياسة عدم التدخل. لذا، على ضوء عجز فريدمان وزملائه عن اختبار نظرياتهم في المصارف والوزارات التجارية المركزية، اضطروا إلى الاكتفاء بالمعادلات الحاسوبية والنماذج الرياضية الحاذقة التي وضعوا تصاميمها في ورشة العمل في قبو مبنى كلية العلوم الاجتماعية.
إن عشق فريدمان الأرقام والمنظومات، هو الذي قاده إلى دراسة العلوم الاقتصادية، وهو يقول في مسيرته الذاتية إن لحظة التجلي التي اختبرها تعود إلى ايام المدرسة الثانوية عندما كتب أستاذه في علم الهندسة النظرية بيتاغورا على اللوح، وأعرب بعدها عن إعجابه بها، مستشهدة بقصيدة غنائية من كتاب جون کينز Ode on a Grecian Urn: «الجمال حقيقة، والحقيقة جمال،, هذا كل ما تعرفه، وما نحتاج إلى معرفته على هذه الأرض. في الواقع، قام فريدمان بنقل شغفه الوجداني بمنظومة شاملة إلى أجيال من الخبراء الاقتصاديين، مرفقة ذلك الشغف بتوق إلى البساطة والأناقة والدقة.
يعتبر المؤمنون الفعليون بمبادئ امدرسة شيكاغو الاقتصادية، على غرار جميع المعتقدات المتشددة، أن الاقتصاد هو حلقة مقفلة. وتفيد المقدمة المنطقية الأولى التي يستندون إليها، بأن السوق الحرة هي نظام علمي مثالي، ينتج فيه الأفراد الذين يعملون وفقا لمصالحهم الذاتية الخاصة، أكبر قدر من الفوائد، ويضعونها في متناول الجميع. و يستتبع ذلك بالطبع، أنه إذا طرا خلل على تلك السوق الحرة - تص?م كبير أو بطالة متزايدة -، فإن السبب في ذلك بكون ناتجة عن نقص في حريتها. ففي تلك الحالة، لا بد من أن يكون تشويش ما قد