الصفحة 547 من 639

لا يمكننا أن نعرف أيا من العوامل التي توفرت، كان سيغلب. ففي خلال الأعوام التي مضت، بين كتابة مانديلا رسالته في السجن، وفوز المؤتمر الوطني الأفريقي في انتخابات العام 1994، أي تلك التي انتخب فيها مانديلا رئيسا للجمهورية، باتت الفئات المختلفة في الحزب مقتنعة بأنها لن تستطيع استخدام الأسس التي انطلقت منها للمطالبة بإعادة توزيع ثروة البلاد المسروقة، وبدلا من أن يلتقي طرفا جنوب أفريقيا في الوسط، بين كاليفورنيا والكونغو، زادت حدة عدم المساواة والجرائم إلى أن أصبح الشرخ والفارق بينهما أشبه بالفارق بين بفرلي هيلز وبغداد. تجد جنوب أفريقيا اليوم شهادة حية لما قد يحصل عند تداخل التحول السياسي مع الإصلاح الاقتصادي. فسياسية، كان يحق للشعب أن يصوت، وأن يتمتع بحريته المدنية وبحكم الأكثرية. لكن، اقتصادية، كانت دولة جنوب أفريقيا قد تفوقت على البرازيل من حيث اختبارها أشد حالة عدم مساواة عرفها العالم.

زرث جنوب أفريقيا في العام 2005 كي أفهم ما الذي حصل أثناء المرحلة الانتقالية الممتدة بين العامين 1990 و 1994، وجعل مانديلا بختار طريقة كان يعتبرها غير ممكنة.

دخل المؤتمر الوطني الأفريقي في مفاوضات مع الحزب الوطني الحاكم لتجنب الكابوس الذي راود الموزمبيق المجاورة، حين أجبرت حركة الاستقلال المستعمر البرتغالي على أن ينهي استعماره في العام 1975. لقد أصيب البرتغاليون، خلال اندحارهم من البلاد، بنوبة غضب مدمرة، وراحوا بسكبون الإسمنت في حفر المصاعد، ويسحقون الجرافات، ويجردون البلد من كل ما وصلت إليه أيديهم. إلا أن المؤتمر الوطني الأفريقي، استطاع بفضل شعبيته، أن يفاوض للحصول على تسليم سلمي نوعا ما للسلطة. بيد أن تلك المفاوضات لم تجنب جنوب أفريقيا نوية الغضب التي أصابت حكام الفصل العنصري لدى خروجهم من السلطة. وعلى عكس نظرائه في الموزمبيق، لم يسكب الحزب الوطني الإسمنت. وبرغم أن استيلاء على السلطة كان موازية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت