فهرس الكتاب
المتسارعة، لم ينس لمانديلا الوقت ليجاري الأمور، وعندما خرج من السجن كان بانتظاره شعب قادر على التوجه نحو الحرية بدون تعريض البلد الحرب أهلية أو الانهيار اقتصادي، مع العلم بأن الاحتمالين كانا واردين.
في حال وجد خيار ثالث بين الشيوعية والرأسمالية، يشكل سبيلا إلى إحلال الديموقراطية في البلاد وإعادة توزيع الثروات في الوقت عينه، لكانت دولة جنوب أفريقيا بقيادة المؤتمر الوطني الأفريقية الوحيدة التي تواجدت في موقع يسمح لها بتحقيق الحلم. ولا يعزى ذلك إلى الإعجاب والدعم الخارجيين والتعاطف الدولي التي انصبت على مانديلا فحسب، بل إلى الطريقة الفريدة التي تم فيها النضال ضد الفصل العنصري أيضا. فقد أصبح هذا النضال حركة شعبية شاملة في الثمانينيات. وخارج جنوب أفريقيا، كان السلاح الأنجح في أيدي الناشطين، هو مقاطعة الشركات، وذلك من خلال رفض منتجات الشركات الجنوب أفريقية والمصانع العالمية التي كانت تتعامل مع دولة الفصل العنصري، كان الهدف الاستراتيجي للمقاطعة أن يفرض ما يكفي من الضغط على قطاع الشركات بغية التأثير في الحكومة المتعنتة من أجل أن تضع حدا للفصل العنصري، وتضمنت هذه الحملة عنصر معنويا أيضا: فقد اعتبر عدد كبير من المستهلكين أن الشركات التي تستفيد من هيمنة البيض تستحق ضربة مالية.
سنح هذا السلوك للمؤتمر الوطني الأفريقي، أن يرفض سياسة الأسواق الحرة التي كانت رائجة حينها. وتمكن مانديلا من الانتقال إلى المرحلة التالية، بما أنه كان ثمة اتفاق على أن تتحمل الشركات جزءا من المسؤولية على الجرائم التي ارتكبت، قضت تلك المرحلة بأن بشرح مانديلا السبب الذي توجب تأميم القطاعات الرئيسة في جنوب أفريقيا على النحو الذي جاء في ميثاق الحرية، كان باستطاعة مانديلا أن يقدم الحجة نفسها ليبرر الظلم الكامن في تحمل حكومة جديدة منتخبة من الشعب عبء الدين الذي تراكم أيام الفصل العنصري. صحيح أن ذلك كان ليثير امتعاض صندوق النقد الدولي، والخزينة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، تجاه سلوك مانديلا المشاغب، إلا أن مانديلا كان قديسة حية بنظر الناس، وكان دعم الشعب سيشل سندة كبيرة له.