المجاهدين الصادقين الذين كانوا في زمانه رحمهم الله تبارك وتعالى. فإذن كان مجاهدا ولعله جاهد لنفسه لأنَّ التَّراجِم كُلَّها تَصِفُه بالمجاهد. فالظاهر أنه جاهد في بعض المعارك أو شارك فيها أو يعني حَضَرَ بعض هذه المعارك فَلُقِّبَ بهذا اللقب الجليل. لكن حيث إننا لا نملك تفاصيل عن حياته, عن عادة المغاربة في أنهم يُهْمِلون فُضَلَائَهُم حتى إن الشيخ"أبا حامد محمد العربي ابن أبي محاسن الفاسي"رحمه الله، يذكر في مقدمة كتابه"مرآة المحاسن في ترجمة الشيخ أبي المحاسن": أن المغاربة اشتهروا بأنهم يدفنون فضلائهم بين قبري إهمال وإقبار. فيقتلون العالم مرتين: مرة يدفنون جسده ومرة يدفنون ذكره, فينقطع ذِكْر كَثِير من الفضلاء. هذا مع أن بلاد المغرب ... عندما أتحدث عن المغرب لا أقصد المغرب الأقصى"فقط. أقصد"المغرب الإسلامي"كله، فإنهم جميعا قَصَّرُوا في تراجم علمائهم. وكم من عالم جليل وإمام عظيم خرج من هذه البلاد، أو ظَهَرَ وكان له بلاء في العلم والدين والجهاد وما إلى ذلك ثم لا نجد كثير كلام عن سيرته. والمحظوظ من أهل هذه البلاد هو من خرج منها وسافر إلى المشرق، فعندئذ يُشْتَهَرَ ذِكره ويُعْرَف. ولعلي أضرب لذلك مثالا ب"ابن دُونَاس الفَنْدَلَاوِي"رحمه الله: .. هذا الإمام الجليل هاجر من مدينة"فاس"إلى"الشام"بِقَصْدِ جهاد الصلبيين، لما وصل إلى الشام جاهد في سبيل الله ودَرَّسَ وعَلَّم، وكان من تلاميذه وأصحابه الإمام"ابن عساكر"فترجم له ترجمة طيبة وجُلُّ ما ترجم له في بلاد الشام لا في بلاد المغرب لأنه تَرْجَمَ لما يعرفه في بلاد الشام، وترك لنا الإمام"ابن دُونَاس"هذا كتابا جليل القدر وقد طُبع الآن في ثلاث مجلدات في نُصرة مذهب الإمام مالك"إرشاد السالك في نصرة مذهب الإمام مالك"-أو اسم من هذا القبيل-، وملأه بالعلوم رحمه الله تبارك وتعالى. وله ترجمة في"سير أعلام النبلاء"وفي غيرها من الكتب. أظن أنه قُتل شهيدا رحمه الله في جهاده في الشام ضد الصلبيين. المقصود: أنَّ كثيرا من العلماء لم يُعْرف قدرهم ويُشْتَهَر ذِكرهم إلا بعد"