الفصل الأول:
ذكر مذاهب العلماء في نكاح نساء أهل الكتاب
اختلف أهل العلم في حكم نكاح نساء أهل الكتاب حسب فهمهم للآية التي حرمت نكاح المشركات، وهي التي ذكرتها آنفا: (( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) ).
قال الإمام القرطبي: (( اختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقالت طائفة: حرم الله نكاح المشركات في سورة البقرة، ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل لكتاب؛ فأحلهن في سورة المائدة ) )...
وروي هذا القول عن ابن عباس، وبه قال مالك بن أنس وسفيان بن سعبد الثوري وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي.
وقال قتادة وسعيد بن جبير: (( لفظ الآية العموم في كل كافرة، والمراد بها الخصوص في الكتابيات، وبينت الخصوص آية المائدة، ولم يتناول العموم قط الكتابيات ) ). وهذا أحد قولي الشافعي، وعلى القول الأول: يتناولهن العموم ثم نسخت آية المائدة بعض العموم. وهذا مذهب مالك - رحمه الله - ذكره ابن حبيب؛ وقال: (( ونكاح اليهودية والنصرانية - وإن كان قد أحله الله تعالى - مستثقل مذموم ) ).
وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي: (( ذهب قوم فجعلوا الآية التي في البقرة هي الناسخة والتي في المائدة هي المنسوخة؛ فحرموا نكاح كل مشركة، كتابية وغير كتابية ) ). قال النحاس: (( ومن الحجة لقائل هذا مما صح سنده: أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، أو عبد من عباد الله ) ) (1) .