فهرس الكتاب
أما كونه - صلى الله عليه وسلم - مر ولم يقطعها ليس فيه ما يستدل به فقد يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعها وأزالها فليس في الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تركها وأيضًا يحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرها لأمر هو أعظم وأهم منها لا أنه - صلى الله عليه وسلم - أقرهم على فعلهم أو أقر هؤلاء المشركين على أن ينوطوا بها أسلحتهم أو أقر هؤلاء المشركين أن يعبدوا غير الله عز وجل ليس في الحديث ما يدل على ذلك كله.
وقيل أن هذه السدرة لم يكن فيها من يعبدها ومن ينوط بها السلاح ولكن لأن هؤلاء الذين مروا بها حدثاء عهد بإسلام وذكروا أن هذه السدرة التي مروا بها كانوا يفعلون بها ذلك طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل أو أن يجعل لهم سدرة مثل ذلك، لا أنه في حال مرور النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هناك من يعكف بها وينوط بها سلاحه، فالصحيح أن الحديث صحيح ولا علة فيه لا في متنه ولا في إسناده.
قد احتج في هذا الحديث بعض من يعذر بالجهل وقال هذا دليل على أن الجاهل يعذر حيث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكفر هؤلاء الصحابة مع أنهم جهلوا التوحيد وهذا غير صحيح فالحديث ليس فيه حجة لهذا القول، بل فيه أن هؤلاء الذين طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم سدرة يعكفون حولها أسلحتهم أنهم عندما قلتم: (والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهة} ) [1] أي: شابهتموهم في القول وإلا قصد هؤلاء الصحابة الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام قصدهم البركة أن يتبرك بهذه الشجرة ولا شك أن البركة تطلب من الله عز وجل فهم قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - (أجعل لنا ذات أنواط تكون لنا فيها بركة من الله سبحانه وتعالى نتبرك بها) وتكون البركة بجعل الله عز وجل في تلك الشجرة البركة هذا قول، وهذا قول الشاطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية أنهم شابهوهم بالقول ولم يشابهوهم في الفعل.
القول الثاني أنهم طلبوا ولم يفعلوا ولو فعلوا لكفروا بالله عز وجل وهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-.
والقول الثالث: ِأنهم سألوا المشرع ولو أجاز لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يفعلوا ذلك لكان ذلك جائزًا ولا نكارة فيه.
الصحيح نقول:
ليس في هذه المسألة وفي هذا الحديث حجة لمن عذر بالجهل وقال أنه يعذر في التوحيد بجهل العبد، ونقول: أن هؤلاء الصحابة الذين كانوا حديث عهد بإسلام إنما شابهوا أولئك الذين جعلوا لهم سدرة يعكفون بها شابهوههم بالطلب فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهة} ) فشابهوههم بالطلب لا في الفعل، ولا شك أن التبرك بالأشجار والأحجار لا يجوز لكنه ليس شركًا أكبر بل شرك أصغر قد يعذرون فيه بسبب كونهم حديثوا عهد بإسلام أما الشرك الأكبر في أصل التوحيد فلا يعذر أحد بالجهل فيه.
إذًا هذا الحديث هو حديث صحيح وإسناده صحيح ولا علة فيه.
(1) سبق تخريجه في الصفحة السابقة