الصفحة 23 من 27

وذكر أيضًا قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ} هذا فيه دليل على أن عيسى اتخذ إلهًا مع الله سبحانه وتعالى وأجمع المسلمون على كفر النصارى الذين ألهوا عيسى -عليه السلام- ولم يمنعهم كونهم عبدوا عيسى أنهم على التوحيد أو أنهم على الدين أو كونهم عبدوا رجلًا صالحًا ونبيًا مرسلًا من عند الله عز وجل أن يكون على الإسلام بل بعبادتهم لعيسى وتأليههم له كفروا بالله عز وجل وأشركوا وكان كفرهم أعظم الكفر وأغلظه لأنهم ألهوا خلقًا وبشرًا وجعلوه ابنًا لله عز وجل ووصفوا الله أنه حل في بطنه وعكر في عكر بطن مريم وأنه جامعها فأنتج ذلك لاهوتًا وناسوتًا فاجتمع اللاهوت والناسوت فكان منه عيسى -عليه السلام- ولاشك أن هذا من أعظم الكفر وكفرهم الله وكفرهم رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ثم ذكر أيضًا دعاء الصالحين في قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [1] أي أولئك الذين تدعونهم أيها المشركون وتطلبون منهم قضاء الحاجات وتسألونهم هم أيضًا عبادٌ أمثالكم يسألون الله ويرجونه ويتقربون إليه بالأعمال الصالحة، فأثبتت هذه الآية أن هؤلاء الذين يدعون من دون الله هم أناس صالحون يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ومع ذلك لم ينفع أولئك العابدين الذين عبدوهم كون معبودهم صالحًا أو وليًا أنه لا يكفر ولا يقتل بل حكم الله بكفرهم وأوجب أيضًا قتالهم.

ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [2] واللات والعزى فأما اللات فهو رجل كان يلت السويق هو رجل صالح كان يصنع ذلك للحجاج، وأما العزى فهي شجرةٌ كانت تعبد من دون الله عز وجل وأما"منات"فهي أيضًا حجر يعبد من دون الله سبحانه وتعالى، فهذه الأشجار والأحجار التي تعبد من دون الله وهي طواغيت اتخذها مشركوا العرب كفرهم الله عز وجل ووصف بأن فعلهم شرك وأنهم خالدون في نار جهنم وأوجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله عز وجل.

وذكر هنا حديث أبي واقد الليثي وحديث أبي واقد الليثي هذا رواه الترمذي وغيره من طريق الزهري عن أبي سنان الدؤلي عن ابي واقد الليثي قال: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلِمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ، يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيُنَوِّطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالَ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. الحَدِيثَ) . [3]

إيراد المؤلف لهذا الحديث ليبين أن إتخاذ الأشجار كان معروفًا عند العرب وكانوا يعكفون حول سدرة لهم يعبدونها ويقنطون بها أسلحتهم ويتبركون بها وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الفعل أنه اتخذ فاعلها إلهًا من دون الله عز وجل، لأنهم أنزلوها منزلة الإله الذي يعبد.

وهذا الحديث قد أعل لعلل أعل أولًا:

في إسناده لأن في أبو سنان الدؤلي وقال أنه لا يعرف وأنه مجهول، والصحيح أن أبا سنان هذا أنه روى له البخاري في صحيحه في الشواهد وأخرج مسلم في الأصول وقد روى عنه الزهري وروى عنه زيد بن الأسلم فالصحيح أنه معروف وأنه ثقة وأن حديثه هذا صحيح.

أيضًا أعل بمتنه بأنه كيف يمر - صلى الله عليه وسلم - على هذه السدرة ولا يقطعها، فنقول:

(1) الإسراء: 57

(2) النجم: 19

(3) أخرجه الترمذي في الجامع برقم: 2181 وقال (حديث حسن صحيح)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت