فَاعِلِي ذَلِكَ مُسْتَمِرّ مَا دَامَ الْغِرَاس وَالزَّرْع, وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَطْيَب المَكَاسِب وَأَفْضَلهَا فَقِيلَ: التِّجَارَة, وَقِيلَ: الصَّنْعَة بِالْيَدِ, وَقِيلَ: الزِّرَاعَة, وَهُوَ الصَّحِيح, وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَيْضًا أَنَّ الثَّوَاب وَالْأَجْر فِي الْآخِرَة مُخْتَصّ بِالمُسْلِمِينَ, وَأَنَّ الْإِنْسَان يُثَاب عَلَى مَا سُرِقَ مِنْ مَاله أَوْ أَتْلَفَتْهُ دَابَّة أَوْ طَائِر وَنَحْوهمَا [1] .
وكما نعلم أن الأنصار كانوا يشتغلون بالزراعة, كما يقول الصحابي رافع - رضي الله عنه: «كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا, وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ, فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ, فَنَهَاهُم النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [2] .
-وألا يلهو الإنسان بزراعته عن ذكر الله وعن الجهاد؛ لأنه ورد وعيد على صاحبه، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ, وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ الله الذُّلَّ» [3] .
يقول ابن حجر: إِمَّا أَنْ يُحْمَل مَا وَرَدَ مِن الذَّمّ عَلَى عَاقِبَة ذَلِكَ وَمَحَلّه مَا إِذَا اِشْتَغَلَ بِهِ فَضَيَّعَ بِسَبَبِهِ مَا أُمِرَ بِحِفْظِهِ, وَإِمَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُضَيِّع إِلَّا أَنَّهُ جَاوَزَ الْحَدّ فِيهِ. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ كَلَام أَبِي أُمَامَةَ مَحْمُول عَلَى مَنْ
(1) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الرابع، 10/ 213.
(2) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب ما يكره من الشروط في المزارعة، برقم: (2332) .
(3) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، برقم: (2321) .