يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ, أَمَّا مَنْ لَهُ عُمَّال يَعْمَلُونَ لَهُ وَأَدْخَلَ دَاره الْآلَة المَذْكُورَة لِتُحْفَظ لَهُمْ فَلَيْسَ مُرَادًا [1] .
فيفهم مما سبق أن الاشتغال بالزراعة ليس منهيًا عنه بالعموم- وبالأخص إذا قام الإنسان بزكاتها - لأن من أهل الجنة من يشتهي الزرع؛ كما جاء في الحديث عَن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ, فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ: فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. فَيَقُولُ الله: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ, فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَالله لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ, فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [2] .
قال ابن حجر: قَالَ ابْن المُنِير: وَجْهه أَنَّهُ نُبِّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ أَحَادِيث النَّهْي عَن كِرَاء الْأَرْض إِنَّمَا هِيَ عَلَى التَّنْزِيه لَا عَلَى الْإِيجَاب, لِأَنَّ الْعَادَة فِيمَا يَحْرِص عَلَيْهِ ابْن آدَم أَنَّهُ يُحِبّ اسْتِمْرَار الانْتِفَاع بِهِ, وَبَقَاء حِرْص هَذَا الرَّجُل عَلَى الزَّرْع حَتَّى فِي الْجَنَّة دَلِيل عَلَى أَنَّهُ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ, وَلَوْ كَانَ يَعْتَقِد تَحْرِيم كِرَاء الْأَرْض لَفَطَمَ نَفْسه عَن الْحِرْص عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَثْبُت هَذَا الْقَدْر فِي ذِهْنه هَذَا الثُّبُوت [3] .
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، 5/ 5.
(2) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب: كراء الأرض بالذهب والفضة، برقم: (2348) .
(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، 5/ 27.