الصفحة 17 من 30

إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العدواة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله إليه، فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد بايعوه.

فلما عاد إلى المدينة المنورة أذاعوا بها الإسلام فأجاب داعيتهم خلق كثير، حتى إذا كان موسم الحج من قابل ذلك العام، خرج من المدينة ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان إلى رسول الله ليبايعوه ويؤتوه عهدهم وذمامهم أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم، فتوافدوا جميعًا إلى العقبة الثانية التي كانت النواة الأولى في لبنة الدولة الإسلامية.

فهذه هي أسماء بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة القرشية التيمية، وأمها قتيلة بنت عبد العزى بن أسد، وهي شقيقة عبد الرحمن بن أبي بكر، وأم عبد الله ابن الزبير، وأخت عائشة أم المؤمنين لأبيهاا، أسلمت بعد سبعة عشر مسلمًا، وأصبحت بطلة ضربت أروع الأمثلة في البطولة والفداء.

تنقلت العظائم من يد طاهرة إلى يد طاهرة، فبعد أن دعمت العجوز -رقيقة بنت صيفي- أثرها أقامت الفتاة الحدثة"أسماء بنت أبي بكر"أثرها أيضًا، لقد أعجل النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه عن ابتغاء الزاد، وشغلهما الغرض الأسمى عن الغرض الأدنى، فسارا خفيفين إلى غار الذورة العليا في جبل ثور إخفاء لأمرهما، وإعياء للذاهبين في أثرهما.

قامت الفتاة بحمل أمانة يُشفق على الرجال من حملها، فكانت تقطع ثلاثة أميال إلا قليلًا - وهي الصبية الناشئة- في جوف الليل، ووحشة الطريق، بين أسنة الصخر، ومساحات الرمال، تمشى متخفية حذرة مترقبة حتى تصعد إلى هامته، ثم تنحدر في جوفه فتوافي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبة كل ليلة بالزاد والماء وبما عسى أن تكون قد سمعته، أو رأته، من حديث القوم وخبرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت