قامت الصغيرة بدور فدائي وحملت أمانة الإمداد والتمويل للرحلة المباركة، ونقل أخبار الكفار، ولما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - الرحيل من الغار متجهًا إلى يثرب جهزت الزاد والماء، ولم تجد ما تربطهما به، فشقت نطاقها وربطتهما به، وحين فعلت ذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة] فقيل لها ذات النطاقين.
تلك هي الصبية التي تركت الولدان والولائد من لداتهها وأترابها يغدون إلى ملاعبهم ويأوون إلى صدور أمهاتهم، وذهبت إلى حيث يعجز أشداء الرجال وأبطالهم، فأي قوة تلك التي أمدها الله بها، وأي قلب ذلك الذي أودعه الله بين ضلوعها، وأية عزمة تلك التي خفقت في نفسها؟ فلعمري لئن سلمت الفتاة"أسماء"من عثرات الطريق ووعثاء الصحراء تحت جنح الليل البهيم، فلم تسلم من أذى قريش وكفارها، فجاءها نفر واقتحموا عليها وداعتها وهدوءها وأحاط بها رجال القوم وهي فريدة بينهم لا يحمي ظهرها رجل، وسألوها في عصبية: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ فردت في صمود وشموخ وثقة وإباء: لا أدري أين أبي!! فرفع النذل أبو جهل -لعنه الله - يده ولطمها لطمة قاسية طار لها قطرها، ولم يوهن ذلك شيئًا من عزيمتها ولا عبث بمكنون سرها. وتعد هذه الفتاة الفدائية مثلًا لتلك النفوس التي استخلصها الله لدينه، واصطنعها لدعوته، ونفث فيها من روحه، فكانت مستقرًا لفضائل الكمال، ويحدثنا التاريخ بإسهاب لمواقفها البطولية بعد ذلك في مجال الجهاد والدعوة، وليس أعظم من قولتها لابنها عبد الله بن الزبير حين خشي من التمثيل بجثته: يا بني إن الشاه لا يضيرها سلخها بعد ذبحها، فامض واستعن بالله، قالت هذا وهي تحذر مصير ابنها، ولكنها تعلمت أن تضحي منذ الصغر، ولا تبخل في سبيل الله بالجهد بالمال والولد.
وهذه هي هند بنت أبي أمية - واسمه حذيفة وقيل سهل - ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية أم المؤمنين أم سلمة .. تقول