الصفحة 16 من 24

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

لقد أقرّ الإسلام حق الملكية الفردية مسايرًا بذلك البشرية، وأباح لكل إنسان أن يجمع من الثروة ما يستطيع بالطرق المشروعة، وأوجب السعيّ والعمل الجدي المنتج ومقت التواكل والكسل والقعود عن طلب الرزق، فلا ندهش إذًا من رفع الخليفة الفاروق عمر رضي الله عنه درتّه على القاعد عن طلب الرزق قائلًا: (إنّ السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة) . وذلك حينما رآه متواكلًا.

وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس رضي الله عنه الذي رواه الخطيب البغدادي والديلمي: (خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته ولم يكن كلًا على الناس) .

وترك الإسلام اختيار العمل للشخص نفسه يختار ما يلائم ميوله ويساير رغباته على أن يكون ضمن الأعمال التي أقرها الإسلام ولا تجلب ضررًا على المجتمع - كما فرض الإسلام فرض كفاية أن تقوم بكل عمل أو صناعة تحتاج إليها الأمة في بناء صرحها وحفظ كيانها وتُعتبر الأمة جميعها آثمة إذا توانت عن ذلك أو تقاعست مع ذلك كله هذّب الإسلام النفوس فمقتها عن التطلع إلى ما ليس في ملكها ممّا هو في ملك الآخرين ليحفظ بذلك ملكية كل فرد واستقلال كُلّ بماله.

جاء الإسلام بحق الملكية الفردية ليُقبل الفرد على الإنتاج بجد ونشاط ويبذل أقصى طاقته في العمل طائعًا مختارًا دون أن يشعر أنه مسخّر لحساب فرد أو جماعة.

وكحق الملكية الفردية حق الإرث فكل ما جاز أن يتملك جاز أن يورث فقد أقرّ الإسلام الإرث لأن فيه تعادلًا بين الجهد والجزاء يحفز الفرد على العمل ما دام يعلم أن ثمرة أتعابه تعود عليه في حياته وتمتد إلى أولاده بعد وفاته بالإضافة إلى ما في نظام الإرث الإسلامي من توزيع عادل للثروة وعدم حصرها في فئة معينة كما هو مبين في مواضعه من القرآن الكريم.

إن الإسلام وإن أقرّ بحق الملكية الفردية لكنه لم يدع هذا الحق على إطلاقه بلا قيد أو حد بل دعا إلى الاعتدال كدأبه في كل الأمور فرتّب حقوقًا في المال للأفراد والجماعات لدعم صرح المحبة والتراجم بين أفراد الأمة وطبقاتها المختلفة.

فأول الحقوق التي فرضها الإسلام هو حق الزكاة؛ وهو حق الجماعة في عنق الفرد حق مفروض بحساب معلوم في أصناف معينة هي النقد، والمواشي، والزرع، وعروض التجارة، والمعادن. وقد فرضها الله تعالى مواساة للفقراء ومعونة لذوي الحاجات وتقوية لروابط الألفة والمحبة والتعاطف بين مختلف الطبقات ولعمر الله إنها لإحدى الوسائل الناجحة لمعالجة الفقر والفقراء التي لها خطرها على الأعداء ونتائجها في كيان الأمة. ثم بعد فرض هذا الحق العظيم في المال جعل الفرد موكولًا إلى نفسه وضميره - فله مطلق التصرف في بقية المال الذي بحوزته فإن النفقة كانت لنفقته حسنات ودرجات أي أن نفقاته مخلوفة - قال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} . وقال تعالى: {وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} .

وإن أمسكه بعد إخراج الزكاة منه كان إمساكه جائزًا لا حرج فيه.

وحذر الإسلام الفرد من سلوك الطرق غير المشروعة في اكتساب الرزق ووضح له المبادئ التالية من إنفاق المال والتصرف فيه:

أولا: أن يكون إنفاقه من المال على نفسه ومن تلزمه نفقته معتدلًا دون إسراف أو تقتير، قال تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} .

ثانيًا: حرم عليه استثمار ما عنده من المال وتنميته بالطرق الآتية:

أ) الغش: قال عليه الصلاة والسلام: (من غشنا فليس منا) [رواه الجماعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه] .

وقال عليه الصلاة والسلام أيضًا في الحديث الذي رواه الشيخان: (البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) .

والغش بجانب ما ذكرت مناف للخلق الكريم ضارٌ بالآخرين رافعٌ الثقة بين الناس بالإضافة إلى أن ثمرته هي الحصول على كسبٍ بلا جهد ولا عمل مشروع.

ب) الاحتكار: احتكار أقوات الناس وحاجاتهم الضرورية، قال عليه الصلاة والسلام في حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه الذي رواه مسلم: (لا يحتكر إلاّ خاطئ) ، وورد أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من احتكر طعامًا أربعين يومًا فقد برئ من الله منه) ، والحديث وإن كان فيه مقال لكن كثرة الشواهد تؤيده. فالمحتكر يتحكم في السوق ويفرض على الناس الأسعار التي ترضيه وتشبع مطامعه.

ج) الربا والقمار والاتجار بالمخدرات التي تفتك بجسم الأمة: قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَات} ، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

د) التطفيف في المكيال والميزان والانتقاص من أجر العامل أو حرمانه: فذلك مما نهى الشارع عنه، قال تعالى: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُم} ، وقال تعالى: {وَيْلٌ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} .

وفي الحديث القدسي الذي ذكره ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: (ثلاثة أنا خصمهم رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يُعطه أجره) ، وفي السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) .

كل ذلك لصالح الفرد والمجتمع.

وحفظ الإسلام أيضًا مال السّفيه فحجره عن المال الذي تحت يده لأنه لا يستطيع التصرف فيه فأثبت له ملكية المال ولكن لا يملك هذا المال إلاّ بعد أن يصبح رشيدًا عاقلًا يستطيع التصرف، قال تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاما} .

والمرأة في ذلك كالرجل، وما يطلبه الشارع من الرجل في طريقة كسب المال والتصرف فيه يطلبه من المرأة وما يضعه من قيود وحدود يضعه لها.

فالإسلام هو الذي رفع كيان المرأة في المجتمع وجعل لها حقوقًا بجانب التبعات التي عليها.

بعد هذا التقرير الموجز - علمنا أن الإسلام بمبادئه وتعاليمه خير كفيل لإيجاد مجتمع تسوده المحبة والسلام ويُخيم عليه الأمن والاستقرار، وما أجدر بالعالم اليوم وهو يقاسي وطأة النظم المستوردة والأفكار الغربية التي قد تودي الحضارة والمدنية وتقضي على المثل العليا التي تحقق خير الإنسان أن يسير على مبادئ الإسلام الرشيدة وتعاليمه السامية بروح المحبة والتسامح ففي ذلك سعادة البشرية وتقدمها وازدهارها فالإسلام له مبادئه ومقوماته واستقلاله - كما أن للمتمسكين به عقيدة وعبادة ونظام حكم لهم الحرية الكاملة في هذه الحياة لكن على النهج الذي اختاره الله وشرعه، وقد ضمن الشارع للمتمسكين بهذا الدين الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

فقال صلى الله عليه وسلم: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلاّ هالك أو إلاّ هلك) .

وفقنا الله لخدمة دينه والسهر على تحقيق مبادئه وأنظمته والحكم لله وهو العلي الكبير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بقلم؛ محمد أمان صديق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت