فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 86

بسم الله الرحمن الرحيم

إن تحديد العلاقة بين الدين والديمقراطية ينبني على تحديد مفهوم كل منهما، وحيث أن مفهوم الدين من المفاهيم التي التبست على كثير من الناس - شأنه شأن كثير من المفاهيم الأخرى - والتي سبق الحديث عن بعضها في مقالات سابقة، كمفهوم الصلاح والفساد والحضارة والعلاقة بين الحضارات ...

فالدين في الاصطلاح الغربي:"مرحلة زمنية في حياة الأمم، تجاوزتها أوربا بفضل العلم، ومعطيات العقل البشري".

ويقول بعض فلاسفة الغرب من أمثال"فولتير"و"روسو":"إن الدين من صنع الدهاة الماكرين من الكهنة والقساوسة، لعلاج أمراض المجتمع بكل حيلة".

لما كان كذلك أرى أنه لا بد من توضيح مفهوم الدين، فأقول:

إن كلمة"الدين"استعملت في القرآن الكريم، وبذلك صار لها معنى شرعي لا بد من التقيد به - على الأقل بين المسلمين - من أجل فهم الأحكام الشرعية المترتبة على ذلك، ومنها:

· حكم التزام الدين الإسلامي.

· حكم بقية الأديان.

· حكم من تدين بدين غير دين الإسلام.

· حكم التدين بدين آخر مع الدين الإسلامي.

وهذه المسائل كلها جاءت محسومة في القرآن الكريم والسنة النبوية، وأجمعت عليها الأمة الإسلامية، بلا خلاف بينها، إلا ما ظهر من بعض المعاصرين - الذين تكلمنا عنهم في مقال سابق، وقلنا؛ إنهم لا يمثلون الإسلام ولا المسلمين، وإنما يعبرون عن آرائهم التي تشكل في مجملها حربا على الإسلام -

والمسائل السابقة قد حسمت في الديانة الإسلامية على الوجه التالي:

· وجوب التزام الإسلام والدخول فيه على كل أحد.

· وكل دين سوى الإسلام هو دين باطل، لا يقبله الله.

· وكل من تدين بغير الدين الإسلامي فهو كافر سواء كان من أتباع الديانات السماوية السابقة أو من أتباع الديانات الأرضية الوثنية.

· وأنه لا يجوز للمسلم أن يجمع مع الإيمان بالإسلام الإيمان بدين آخر، وأن ذلك يعد شركا بالله عز وجل، وخروجا عن الإسلام.

وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فهي تتكون من جملتين، الأولى؛"لا إله"وهي إعلان الكفر بكل الآلهة والأديان والطواغيت التي تعبد من دون الله، و"إلا الله"؛ إقرار بالدين الحق، وهو الإسلام، الذي هو إفراد العبادة والطاعة لله.

وعلى هذا فالدين الإسلامي؛ هو مجموعة النظم والمناهج التعبدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها التي شرعها الله في القرآن والسنة.

وبعبارة أخرى؛ الدين منهج إلهي متكامل يضبط قضايا الدين والدنيا.

ونخلص مما سبق ...

إلى أن الديمقراطية دين آخر غير دين الله، دين يجيز لمعتنقيه أن يختاروا من المناهج التعبدية، سواء منها السماوية أو الأرضية، ما يشاءون، وأن ينخلعوا من العبودية لله ليكونوا عبيدًا لأمثالهم من البشر، إذا كانوا أغلبية.

وعلى هذا فلا شك أن النظم الديمقراطية هي أحد صور الشرك الحديثة في الطاعة والتشريع، حيث تلغي سيادة الخالق سبحانه، وتستبدلها بسيادة المخلوق، كما تلغي حق الله في التشريع المطلق، وتمنح الحق المطلق للمخلوق ليشرع ما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، من خلال ممثليه في المجالس النيابية.

ومن هنا يتبين لنا معنى قول"القرد الأعظم": (نحن نقاتل من أجل إرساء قواعد ديمقراطيتنا الجديدة في العالم) .

إنه إعلان للحرب على الأمة الإسلامية، وهو قتال بين أديان، وصراع بين الإسلام والكفر.

وللأسف، فإنه في الوقت الذي يدرك فيه أعداء الإسلام من الكفار هذه الحقيقة، فيقولون؛"لن نسمح بقيام دولة إسلامية"ولا دستور إسلامي - كما صرح بذلك بول بريمر في العراق، وقبله قيل في أفغانستان، والحرب قائمة على السعودية للقضاء على بقايا الإسلام فيها -

ويقولون كذلك - في تصريح لوزير الداخلية الفرنسي في حفل تأسيس مجلس مسلمي فرنسا: (لا نريد إسلام في فرنسا، وإنما نريد إسلام فرنسي ... ) ، وهكذا يقال في بقية دول الكفر.

أقول: للأسف فإن كثيرا من أبناء المسلمين يجهل هذه الحقيقة، وتراه يتشدق بالديمقراطية، وينادي بالتزامها، وهو يجهل أنه بذلك يقف في صف العدو محاربا لدينه ولأمته.

بينت في المقال السابق أن الديمقراطية دين يناقض دين الإسلام، وأن العلاقة بين الديمقراطية والإسلام هي علاقة صراع مستمر، والنصر للإسلام بلا شك، وهذه العلاقة أوضح معالمها قوله تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} .

وسأذكر في هذه المقالة بعض الطرق التي سلكتها الديمقراطية في حربها على الإسلام الحق ...

ومنها:

1)اعتماد القانون الأوربي في حكم بلاد المسلمين:

وهذه الطريقة هي أخطر الطرق على الإطلاق، حيث أصبح المسلمون في بلادهم يحكمون من قبل عناصر، أو فئات تنتمي من حيث العرق أو اللون أو اللغة إلى المسلمين، بينما هي تطبق إرادة العدو الكافر المستعمر على أبناء المسلمين.

فلم يعد الحاكم - في كثير من بلاد المسلمين - نائبا عن الشعب بقدر ما هو نائب عن المستعمر في تنفيذ أحكامه، وقوانينه على الأمة المسلمة.

وأقصيت الشريعة، عن جميع مجالات الحياة، ولم تبق منها إلا أشلاء ممزقة مشوهة تتعلق بالأحوال الشخصية.

2)تأميم الأوقاف:

والأوقاف هي أموال المسلمين التي ينفقونها في وجوه الخير، وتمثل أعظم رافد للدعوة الإسلامية والجهاد في سبيل الله.

فصارت تصب في خدمة الدولة النائبة عن المستعمر، وتحقق رغباتها، وتقتصر في الغالب على الجانب التعبدي الصرف.

ولم تكتف بذلك حتى قامت تحت ذريعة تجفيف منابع الإرهاب؛ بالسيطرة على كل لجان العمل الخيري في العالم الإسلامي، ومنع ما استطاعت منعه، وتجميدها، ومراقبة حساباتها، متدخلة في الشئون الداخلية للبلاد الإسلامية، في صورة مذلة مهينة لم يشهدها العالم الإسلامي من قبل.

3)القضاء على هيبة العلماء ومكانتهم في نفوس المسلمين:

من خلال أساليب متنوعة ليس هذا موضع تفصيلها، منها؛ القمع والاتهام بالتطرف والإرهاب ... إلخ.

4)إنشاء حركات تحمل اسم الإسلام في الظاهر بينما تنقضه في الباطن - حركات مرتدة عن الإسلام:

على غرار الحركات الباطنية القديمة؛ كالنصيرية والدروز والإسماعيلية، وفي العصر الحديث مثل؛

· البهائية؛ أنشأها في إيران ميرزا علي محمد الشيرازي [1819 - 1850] في ظل الاستعمار الروسي والانجليزي للمنطقة.

· والقاديانية؛ أنشأها في الهند ميرزا غلام أحمد [1839 - 1908] تحت إشراف الاستعمار الانجليزي.

· والحزب الجمهوري في السودان؛ الذي أسسه المشعوذ محمود محمد طه، وحكم عليه بالردة وأعدم لذلك عام 1985.

· وجماعة الأحباش؛ التي أسسها عبد الله الهرري الحبشي، الذي ظهر في الحبشة وتعاون مع حاكمها على قتل المسلمين وعلمائهم، ثم انتقل إلى لبنان واستقر فيها مدة وكون طائفة كبيرة من الأتباع، ثم انتقل إلى أوروبا، وأتباعه فيها وفي أمريكا كثيرون، وهم يخالفون المسلمين في عقائدهم.

وبين الجميع قاسم مشترك؛ وهو ولاؤهم المطلق للعدو الكافر، وحربهم الشعواء على المسلمين، مع إنكارهم فريضة الجهاد في سبيل الله، وإضفائهم صفة الشرعية على العدو المحتل لأراضي المسلمين.

5)استغلال بعض الشخصيات العلمية المنبهرة بالغرب، والمنهزمة أمامه روحيا:

في استصدار كتب، أو رسائل، أو فتاوى تخدم أعداء الله في حربها على الإسلام، وتنفيذ المخطط الاستعماري في المنطقة.

وهذا الاستغلال قد لا تشعر به تلك الشخصيات، فهي في الحقيقة قد تكون صادقة في إسلامها، لكنها قد جندت من قبل وسائل القوى الاستعمارية المختلفة كالإعلام، ومراكز الدراسات الاستراتيجية، ومراكز البحوث الثقافية وغيرها.

6)دعم مشايخ السلطة أو المشايخ التقليديين لإعطاء صورة مشوهة عن الإسلام:

وهو الإسلام الذي يريده الكفار المحتلون، وأعوانهم من المنافقين، الإسلام الذي يعني الاستسلام للطاغوت، وليس الاستسلام لله، الإسلام الذي يقول؛"دع ما لقيصر لقيصر! وما لله لله!".

وختاما؛ أنبه على أمرين:

1)إن اعتقادنا بكفر الديمقراطية، وصراعها مع الإسلام لا يعني أننا نحارب العدالة والحرية، بل إننا نعتقد أن الحرية الحقيقية والعدالة الصحيحة وغيرها من القضايا التي ينشدها الناس؛ موجودة على صفة الكمال في الشريعة الإسلامية الإلهية، وهي الشريعة التي يلزم كل أحد أن يخضع لها، وهي التي أمر الله أن تهيمن على العالم.

2)إن الديمقراطية تتنكر لنفسها عندما تؤدي إلى نصر الإسلام، فهذه فرنسا تقف في وجه الديمقراطية التي أثمرت فوز جبهة الإنقاذ في الجزائر، وهذه أمريكا التي تقاتل من أجل إرساء قواعد ديقراطيتها في العالم تهدد الابنة غير الشرعية لها - الدولة الفلسطينية المسخ - إذا ما فازت حماس في الانتخابات التشريعية!

المهم ألا تقوم للإسلام قائمة.

ولكننا نثق بنصر الله لدينه وعباده المؤمنين.

بقلم؛ الشيخ حامد بن حمد العلي

السبت، 22/ذوالقعدة/1426 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت