الصفحة 17 من 47

وفكره، وحكم الأغلبيِّة من الأصوات هو القول الفصل في كل شئون حياة الناس العامة، سواءُُ عندهم عارض الشريعة الإلهيّة ووافقها، وليس لأحد أن يتقدَّم بين يدي هذا الحكم بشيء، ولايعقِّب عليه إلا بمثله فقط.

غير أن العجب كلَّ العجب أنَّه لو صار حكمُ الأغلبيِّة هو الدين، واختار عامة الشعب الحكم بالإسلام، واتباع منهج الله تعالى، والسير على أحكامه العادلة الشاملة الهادية إلى كل خير، فإن الليبراليّة هنا تنزعج انزعاجًا شديدًا، وتشن على هذا الاختيار الشعبي حربًا شعواء، وتندِّدُ بالشعب وتزدري اختياره إذا اختار الإسلام، وتطالب بنقض هذا الاختيار وتسميه إرهابًا وتطرفًا وتخلفًا وظلاميّة ورجعيّة .. الخ

كما قال تعالى (وإذا ذُكِر الله ُوَحدَهُ اشمَأَزَّت قلوبُ الذين لايُؤمِنُونَ بِالآخرِةِ وَإِذا ذُكِرَ الذينَ مِنَ دونِهِ إذا هُم يَستَبشِروُن) الزمر 45.

فإذا ذُكر منهج الله تعالى، وأراد الناس شريعته اشمأزت قلوب الليبراليين، وإذا ذُكِر أيُّ منهجٍ آخر، أو شريعة أخرى، أو قانون آخر، إذا هم يستبشرون به، ويرحِّبون به أيَّما ترحيب، ولايتردَّدون في تأيِّيده.

فإذن الليبراليِّة ماهي إلاّ وجه آخر للعلمانيِّة التي بنيت أركانها على الإعراض عن شريعة الله تعالى، والكفر بما أنزل الله تعالى، والصد عن سبيله، ومحاربة المصلحين، وتشجيع المنكرات الأخلاقيِّة، والضلالات الفكريِّة، تحت ذريعة الحريِّة الزائفة، والتي هي في حقيقتها طاعة للشيطان وعبودية له.

هذا وقد يتبيّن لكل ذي بصيرة، أنَّهم عندما يدعون الناس إلى مخالفة الشريعة الإلهيّة، زاعمين أنهم يمنحونهم الحرية، أنها خديعة وفخ يصيدون به المغفلين من ضعاف العقول، وبغيتهم أن يخرجوا الناس من عبادة الله تعالى وحده باتباع صراطه المستقيم، إلى عبادة مفكِّريهم ومنظِّريهم، وإلى إتِّباع أهواءِهم والسيرِ على مناهجهم الضالَّة، وعندما يقولون للشعب أنت حرُّ في أن تفعل ما تشاء، فكأنهم يقولون له كن أسيرًا وعبدًا لشهواتك وهواك، ولنزغ الشيطان، ذلك أن دأب الشيطان أن يزين للإنسان فعل السوء والفحشاء، ويوسوس له بالشر والضلال فيطيعه ويتبعه، وهو يظنُّ أنه حرُّ في تصرفاته، بينما هو متبع مستعبد للشيطان من حيث لايشعر، كما قال تعالى (وزيَّنَ لَهُم الشَيطانُ أَعمالَهُم فَصَدَّهُم عَن السَّبِيل) العنكبوت 38، وقال سبحانه أيضا (وَلَقَد صَدَّقَ عَلَيهِم إبلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوه إلاَّ فَريقًا مِنَ المؤمِنِين) سبأ 20، وقال سبحانه (وَمَن يَعشُ عَن ذِكرِ الرَّحمَن نُقَيِّض لَهُ شَيطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين) الزخرف 36، ومعنى يعش عن ذكر الرحمن، أي يَعمى عن اتباع ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت