الصفحة 54 من 93

الحمد لله القائل؛ {ونبلوكم بالشر والخير فتنه وإلينا ترجعون} .

والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث بالحق بشيرا ً ونذيرا ً وداعيا ً إلى الله بإذنه وسراجا ً منيرا ً وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم إلى يوم اللقاء وسلم تسليما ً كثيرا ً.

وبعد:

فنظرا ً لما يتردد على أسماعنا من بعض من ينتسبون إلى العلم حول الجهاد وما يضعونه من عراقيل وعقبات أمام الذين يحملون هم الجهاد ويعانون ما تعانيه الأمة من جراحات وآلام ليصدوهم عن مرادهم ويثنوهم عن عزائمهم زاعمين النصح لهم والشفقة عليهم مستخدمين في ذلك الأساليب البراقة والكلمات الرنانة حتى انخدع بهم من يظن أنهم على حق.

فأردت أن أذكر بعض تلك العوائق لئلا يضل بها من يسمع إلى كلامهم سائلا ً الله عز وجل أن يلهمني الصواب في القول والعمل وأعوذ به سبحانه أن أقول غير الحق وإن يجنبني الرياء والسمعة إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

وهذا هو الشروع في المقصود وإن كان من خطأ فمن نفسي والشيطان وما كان من صواب فمن الله.

فأقول وبالله استعين:

فإن من سنة الله عز وجل في هذا الكون الابتلاء والامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب ويتبين الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق، قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} .

وقال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنه الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولون إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} .

وإن من أعظم ما ابتلى به المؤمنون الجهاد في سبيل الله الذي فيه إراقة للدماء أو الجراحات المزمنة من أثر القتال أو الأسر والوقوع في يد العدو أو شدة الخوف والجوع والظمأ والحر والبرد ونحو ذلك مما قد يعانيه المجاهد أثناء لقاء العدو، فلذلك كرهته النفوس ولا يقدم عليه إلا من وفقه الله عز وجل واصطفاه لخدمته واشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} .

وتأخر من تأخر عن إبرام هذه الصفقة مع الله لما ابتلوا به من حب الدنيا وكراهية الموت. ويبحثون عن الأعذار التي تسوغ لهم ترك الجهاد تارة، ويخذلون عنه غيرهم تارة ً أخرى ظنا ً منهم أن ذلك يجدي في ترك الجهاد الذي هو من أكبر العوائق عندهم.

وسبحان الله! كأن عقارب الساعة قد عادت بنا إلى الوراء مما جعلنا نسمع كلمات ابن سلول وأصحابه تتردد في هذا الزمن على ألسنة كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام.

فإذا كان ابن سلول ومن معه قد قالوا: {لا تنفروا في الحر} ، فهنا من يقول:"لا تنفروا إلى القاذفات والصواريخ عابرة القارات فإنما هي نار تلظى".

وإذا كان فيهم من يقول: {إئذن لي ولا تفتني} ، فهنا من يقول؛ بعدم القتال لأنه من إثارة الفتنة.

وإذا كان فيهم من يرى عدم الإنفاق على المجاهدين: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله} ، فهنا من يرى؛ مساعدتهم بالمال دعم للإرهاب وإراقة للدماء بغير حق.

وإذا كان فيهم من؛ {قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق} ، فهنا من يرى؛"الابقاء على النفوس وعدم الزج بها في أتون الحروب التي قد لا تكون المصلحة فيها متحققة"، متناسين أو متجاهلين أن ذلك من الظن بالله غير الحق ظن الجاهلية.

وإذا كان فيهم من يقول: {لو أطاعونا ما قتلوا} ، فهنا من يقول ذلك عمن ذهب إلى القتال في أفغانستان والعراق وغيرها زاعمين أن ذلك من قبيل"إزهاق النفوس في حروب لا تستند إلى رايات معروفة".

وإذا كان فيهم من يقول: {لو نعلم قتالا ً لاتبعناكم} ، فهنا من"لا يرى الجهاد بالسيف، وإنما الجهاد يكفي بالكلمة زاعما ً أن كل راية لا يحملها أمامه فهي باطله، أو أنها تخص أهلها دون غيرهم"، وكأن الآيات والأحاديث التي تأمر بمؤاخاة المؤمنين ومناصرتهم لا تعنيه لا بقليل ولا بكثير ما داموا خارجين عن محكومية إمامة.

وإذا كان فيهم من"يسارع إلى الكفار خشية منهم {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} ، فهنا من"يسارع فيهم بمناصرتهم ولين الجانب لهم وعدم التغليظ عليهم، بل عدم الدعاء عليهم مصارحة بل لا يرى قتالهم"، حيث أن ذلك كلة قد يجرهم معهم إلى حرب لا توازن فيها ولا تكافئ."

ينطبق عليهم قوله تعالى عن المنافقين: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} .

ولو تأملنا أحوال ابن سلول وأصحابه وما هم عليه من صفات ذميمة وأفعال قبيحة ثم تأملنا واقع أمتنا لرأينا أن التاريخ يعيد نفسه فما جرى في عهدهم هو نفسه في هذا الزمن،"فما أشبه الليلة بالبارحة"، وما ذكرته من هذه المشابهات إنما هو قليل من كثير، مريدا ً بذلك التنبيه لا الحصر راجيا ً ألا يغتر المسلمون المجاهدون بما تطالعهم به وسائل الإعلام من قنوات ومجلات وإذاعات من هذا الطرح الذي إنما هو مجرد اجتهادات وتأويلات غير سائغة تتنافى تماما ً مع مفهوم النصوص الشرعية.

وأنت كثيرا ً ما تسمع وتقرأ بعض الأمور التي شاعت وانتشرت في زماننا هذه الأيام حول هذه الحروب الصليبية التي ما زالت تزحف على البلاد الإسلامية بلدة ً تلو الأخرى، وهي بعض العراقيل والعقبات التي أراد أصحابها من طرحها الوقوف في وجوه المجاهدين وعدم صحة ما قاموا به من الجهاد حسب ما تملية عليهم نظرياتهم لا الوقوف مع النصوص الشرعية.

وسأذكر لك هنا بعضها باختصار ومستندا ً إلى الكتاب والسنة وأقوال العلماء، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت