الصفحة 55 من 93

تلك كلمة ً طالما ترددت على أسماعنا وقرأناها في بعض الكتب والمنشورات التي اجتهد أصحابها في نشرها بين الناس، زاعمين أن الصواب معهم، مستندين إلى بعض أقوال الفقهاء الذين لا تخلو أقوالهم عن قول مرجوح لا يقوم عليه دليل، أو قول لفقيه يعيش في عصر يرفع أمامه فيه رايات الجهاد، ولذا كان لزاما ً علينا أن نبين هذه المسألة دفعا ً للالتباس الذي ربما خفي أمره على كثير من ينشدون القول الفصل في ذلك لا سيما في هذا الزمن الذي التبس فيه الحق بالباطل وظهر فيه من يتكلم بلا علم يستند إليه أو هوى في نفسه يريد أن يصل إليه.

فإننا لو قلنا بمثل ما قال به ووافقناه على رأيه لأبطلنا الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، ولوقعنا في تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا بأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وأنه لا تزال عصابة من الناس يقاتلون على هذا الدين حتى يظهره الله، ولبقي اسم الجهاد بين دفتي المصحف وفي صفحات الكتب اسم بدون مسمى، ولأبطلنا كل راية ترفع في هذا الزمن يقاتل في ظلها المجاهدون، مما يجعلنا لا نعترف بأي جهاد كان، كالجهاد في أفغانستان ضد الشيوعية أو البوسنة والهرسك ضد الصرب والكروات وغيرهما، وقد كان ينادي لهما في وقتهما وتجمع لهما التبرعات وتحمل إليهما المساعدات ويسمح لمن أراد أن يجاهد فيهما، فتغيرت لهجة الخطاب وأساليب النداء وشنع على من يذهب إلى الجهاد أو يفكر فيه في هذه السنوات الأخيرة، ولعل المقصود من ذلك هو التحول السياسي فقط.

فهذا الأمر لا يعنينا كأمة تستقي مسار حياتها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث لا يجوز الخروج عليهما بموجب التغيرات السياسية أو التوجهات الدعوية، فالجهاد فريضة من فرائض الدين لا يجوز إبطالها بأي حال من الأحوال، قال تعالى: {أفتأمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} .

وليس من دليل شرعي يدل على أنه لا جهاد إلا بإمام، فكيف يقال بعدمه إلا بإمام، وكلنا يعلم أن جميع الحكام لا يرون الجهاد بل يتعقبون المجاهدين أو الذين يفكرون في الجهاد بالسجن أو التعذيب والتضييق منذ عقود من الزمن، مع أن أعداء الإسلام يزحفون علينا بجميع توجهاتهم وإمكانياتهم لبث عقائدهم والهيمنة على بلاد المسلمين، ولا يمكن صد هذا العدوان إلا بالجهاد وعدم الإلتفات إلى رضى الحكام أو عدمه.

قال الدكتور محمد هيكل في كتابه"الجهاد والقتال في السياسة الشرعية":(أنه إذا كان ذلك المنع من القتال الواجب لم تفرضه مصلحة المسلمين بل على العكس من ذلك، إنما هو على النقيض من مصلحة المسلمين ومجرد تعطيل للجهاد الإسلامي في قتال الأعداء تبعا ً لمصالح شخصية في تصور أصحاب السلطة، وخضوع منهم لإدارة غيرهم.

أقول: إذا كان الأمر كذلك فإن هذا المنع من القتال إنما هو معصية لما فيه من تعطيل للنص الشرعي القاضي بإمضاء الجهاد،"الجهاد ماض منذ بعثني الله ..."، و"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

ولذا يجب التمرد على هذا المنع ومباشرة قتال العدو لمن يتمكن منه، ولو على مستوى القتال الفردي أو قتال المجموعات الفدائية - كما تسمى في هذه الأيام -

جاء في تفسير القرطبي عند بيان المراد بقوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ... } ، جاء ما نصه:"هو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد، وكل واحد من أمتك، القول له: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي"، وقول أبي بكر وقت الردة:"ولو خالفتني يميني لجاهدتها شمالي")أهـ."

قال صاحب كتاب"فتاوى الأئمة النجدية حول قضايا الأمة المصيرية" [ج4 ص157] :(إن الإمام، لا يكون إماما ً إلا بالجهاد، لأنه ماضي إلى قيام الساعة، والدين لا يقوم إلا به، ويستحيل أن يسقط فرضه على الأمة، لأن قيامها بالعمل المناط بنشأتها وعلة وجودها، متوقف وقائم عليه.

وعليه؛ فأي طائفة، مجتمعة، ولها منعة، فعليها جهاد أعداء الله بقدر ما تستطيع، إما باللسان، وإما باليد، وإما بالقلب، وإما بهم جميعا ً، بل ولا يسقط عنها فرضها بحال).

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى، في رده على أحد المثبطين عن الجهاد: (وأما قولك: ولا وجه لاستدلالك علينا بهذه الآية، قوله تعالى: {قل إن كان آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} ، فإن هذه الآية جهادية مع إمام متبع، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان هناك إمام متبع، فعرفنا لعلنا نتبعه.

فأقول: قد بينا خطابك في قولك: أن الآية جهادية، وأنه قول على الله وفي كتابه بلا علم، وقد قال الله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا ً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} .

ويقال: بأي كتاب، أم بأية حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع؟! هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر، من ذلك عموم الأمر بالجهاد، والترغيب فيه، والوعيد في تركه، قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ، وقال في سورة الحج: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع} .

وكل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله، ولا يكون الإمام إماما ً إلا بالجهاد، لأنه لا يكون جهاد بإمام، والحق عكس ما قلته يا رجل، وقد قال تعالى {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ... الآية} ، وقال {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} .

وفي الحديث: (لا تزال طائفة ... الحديث) ، والطائفة بحمد الله موجودة مجتمعة على الحق، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ... } ، إلى قوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} ، أي واسع الفضل والعطاء، عليم بمن يصلح للجهاد.

والعبر والأدلة على بطلان ما ألفته، كثير في الكتاب والسنة والسير والأخبار، وأقوال أهل العلم بالأدلة والآثار، لا تكاد تخفى على البليد إذا علم بقصة أبي بصير، لما جاء مهاجرا ً فطلبت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرده إليهم، بالشرط الذي كان بينهم في صلح الحديبية، فانفلت منهم حين قتل المشركين، اللذين أتيا في طلبة. فرجع إلى الساحل لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه غيره"، فتعرض لعير قريش - إذا أقبلت من الشام - يأخذ ويقتل، فاستقل بحربهم دون رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا معه في صلح - القصة بطولها - فهل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطأتم في قتال قريش، لأنكم لستم مع إمام؟

سبحان الله ما أعظم مضرة الجهل على أهلة؟ عياذا ًَ بالله من معارضة الحق بالجهل والباطل، قال الله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك} ).

وقال الشيخ سليمان العلوان حفظه الله:(فإنه يجب على من قرب من العدو من أهل البلاد الأخرى مناصرة إخوانهم وصد عدوان الكافرين ولا يسقط الوجوب على المسلمين حتى يطرد العدو من بلاد المسلمين.

ولا يجب في هذا القتال إذن الحاكم لا سيما إذا كان الحاكم خائنا ً لدينة معطلا ً لحدود الله والجهاد المتعين.

والعلماء لا يختلفون أن أعظم مهمة للحكام هي إقامة شرع الله وجهاد الكفار والمرتدين ونصرة الإسلام والمسلمين في العالم كله فإذا لم يفعلوا ذلك فما هي مهمتهم إذا ً؟ فما أحوج الأمة إلى علماء صدق يحاسبون الحكام وينكرون عليهم سوء أفعالهم وقبيح تصرفاتهم. وما أحوج الأمة إلى رجال صادقين يستفرغون جهدهم ويسخرون أوقاتهم في قتال الكفار وصد عدوانهم ويبحثون عن الشهادة كبحث الذين كفروا عن الحياة).

ولعل ما ذكرناه من هذه الأقوال فيه غنية عن الإطالة، فتأمله جيدا ً لتعلم أن من قال لا يلزم الجهاد إلا بإمام أن قوله باطل لا أصل له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت