يعتقد بعض المخذلين؛ أن من عوامل النصر على الأعداء التكافئ في العدد والعدة.
ولا أدري من أين لهم هذا، وهم يعلمون أن جميع الجيوش الإسلامية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا لم يذكر أن قوة المسلمين وجيوشهم بلغت نصف قوة العدو في شتى المواقع، بل في الغالب أنها أقل من ذلك، كما هو واضح من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم والبعوث والسرايا ثم الجيوش الإسلامية من بعده.
فتأمل غزوة بدر الكبرى والتي خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم بقلة من الصحابة غير متهيئين للقتال ولم يكن لديهم عدد ولا عدة، ثم مواجهتهم قريشا ً الذين قد خرجوا بعددهم الذي يفوق عدد المسلمين أضعافا ً وعدتهم الحربية التي قد تهيؤا بها، ومن ثم تقليل الله لهم في أعين المسلمين لئلا يتسلل الخوف إلى قلوبهم، وتقليل المسلمين في أعينهم لئلا يجبنوا عن المواجهة، وذلك عندما التقى الصفان، حيث يتحقق النصر للمؤمنين، كما قال تعالى: {وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ً ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا ً كان مفعولا ... الآية} .
وقد بين الله في الآية التي قبلها أنه أرى نبيه صلى الله عليه وسلم في منامة أنهم قليل ولو كثرهم في عينه لحصل الفشل والتنازع، وفي هذا بيان واضح من الله سبحانه وتعالى بعدم جواز تهويل قوة العدو وتعظيم شأنها لئلا يفت في عضد المسلمين.
وقد غفل بعض الدعاة عن هذه المسألة مما حملهم على تفخيم القوى الكفرية وأنه لا غالب لهم، حيث يملكون من القوة والعدد والعدة ما لا يملكه غيرهم، وهذا خلل في التوكل على الله والثقة بوعده، وتنقص في حق المسلمين وقدرتهم على المواجهة، نعوذ بالله من الخذلان.
وما حصل في غزوة أحد والخندق وحنين إنما هو مجرد ابتلاء وتمحيص وتطهير للمؤمنين، وليس كما يظنه بعض الناس أنه هزيمة فقد تحقق النصر في جميعها.
وكل الذي حصل من الإبتلاء إنما هو بسبب ما عند الصحابة رضي الله عنهم {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} ، فمخالفة الرماة والإعجاب بالكثرة ... وغير ذلك، عامل أساسي في التمحيص.
والابتلاء في الجهاد سنة جارية لحكمة يريدها الله عز وجل، وقد يكون من ذلك كثرة الشهداء ومضاعفة الأجور وتمييز الصادق من الكاذب وكثرة الالتجاء إلى الله وقوة التوكل عليه والثقة بوعده، ويكون الابتلاء بكثرة عدد العدو وعتاده وقلة المسلمين وقلة عتادهم وتأخير النصر وكثرة المثبطين والمخذلين، أو يكون بشيء من المعاصي والمخالفات والإعجاب بالقوة ... وغير ذلك.
وحينما تقرأ قصة طالوت مع جنوده والذي يبلغ عددهم كما قيل ثمانين الفًا، نجد أن الله قد ابتلاهم في أثناء مسيرهم إلى العدو بنهر بارد وشدة الظمأ، ونهاهم طالوت أن يشربوا منه، إلا أنهم لم يعبئوا بكلامه، فشرب منه ستة وسبعون ألف، فضربهم الله بالخور والجبن بسبب معصيتهم فنكصوا على أعقابهم خاسرين، ولم يبق إلا القليل في مواجهة قوة جالوت الكبيرة، لكن الله ثبتهم ونصرهم على عدوهم، وهذا مصداق قوله تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} .
وكما علمنا من كتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم وتاريخ هذه الأمة؛ أن التكافئ ليس شرطا ً في المواجهة، إذ النصر لا يكون إلا من الله عز وجل، وهو حق عليه أن ينصر المؤمنين، كما قال عز وجل: {وكان حقا ً علينا نصر المؤمنين} .
كما ينبغي أن نعلم؛ أن المواجهة مع العدو قد تكون فردية وقد تكون جماعة، لتثبيت العقيدة وتقوية الإيمان، أو قد تكون سببا ً في إسلام شخص أو أشخاص.
فمن ذلك محنة إمام المحدثين أحمد بن حنبل ومجازفته بنفسه حيث صبر على الضرب والتعذيب لأجل تثبيت الحق في قلوب الناس، ولا يلتبس عليهم الحق بالباطل، ولو أدى ذلك إلى قتله، فلم يكن ذلك ليمنعه من قول كلمة الحق عملًا بحديث: (أفضل الشهداء رجل قال كلمة عدل عن سلطان جائر فقتله) .
وقصة الغلام مع الملك معلومة، حيث دل الملك على قتلة لأجل أن يدخل الناس في دين الله.
وتأمل قصة فرعون مع السحرة لما آمنوا، توعدهم بقطع الأيدي والأرجل والصلب على جذوع النخل ليصدهم بذلك عن دينهم، إلا أنهم قدموا أرواحهم على طاعته للثبات على الحق، كما قال تعالى: {لن نؤثرك على ماجاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ... الآية} ، فلم يعبئوا بتهديد فرعون ولا وعيده مقابل الثبات على عقيدتهم ودينهم.
وقصة أصحاب الأخدود؛ وفيها دروس وعبر للمؤمنين، وذلك أنهم لما آمنوا برب الغلام أراد الملك أن يصدهم عن دينهم فخد الأخاديد وأجج النيران فيها ثم أمرهم بدخولها، فلم يكن ذلك ليثنيهم عن دينهم، فآثروا الإحراق والبقاء على دينهم على الكفر، فأثنى الله سبحانه وتعالى عليهم ووعدهم بالفوز الكبير، فقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} .
وهذه الأخبار وغيرها دليل على مصارعة الحق للباطل مهما كانت الظروف والأحوال، ومهما كان حجم المواجهة.
فعلى كل من يرجوا الثبات على دينه أن يواجه عدوه بما يستطيعه من قوة، فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والموت على الحق خير من حياة على الباطل، والجهاد مهما تنوعت أساليبه واجب على كل فرد بحسب حالة، دون نظر إلى عاقبة النصر أو القتل، فكلاهما مطلوب.
نسأل الله سبحانه وتعالى البصيرة في الدين
وأن يجعلنا من أنصاره الذابين عن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم
وأن يحيينا على الإسلام والسنة وأن يتوفانا عليهما وهو راض عنا وجميع المسلمين
أنه نعم المولى ونعم النصير
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
[أخوكم؛ حمد بن ريس الريس > تم الفراغ منه 29/ 2/1424هـ]