الصفحة 58 من 93

إن الإرجاف ونشر الرعب بين المجاهدين وسيلة من وسائل بث الوهن والضعف التي يتخذها المنافقون مطية إلى إضعاف شوكة المجاهدين وبث الفرقة في صفوفهم.

فيخذلون عن النفرة في سبيل الله تارة بالعوامل المناخية {وقالوا لا تنفروا في الحر} ، وتارة ً بكثرة العدو {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} ، وأخرى بحماية محارمهم وذويهم {إن بيوتنا عورة} ، وتارة ً بعدم جدوى القتال {لو نعلم قتالا ً لاتبعناكم} ، وأخرى يفتخرون بأنفسهم {لو أطاعونا ما قتلوا} .

وهكذا يسعى المنافقون في كل زمان ومكان ضاربين بالنصوص الشرعية وأقوال العلماء عرض الحائط.

وفي هذه الأزمنة تزحف الجيوش الصليبية على البلاد الإسلامية ولا نرى إلا المخذلون من سلالة أبي ابن سلول، الذين لعنهم الله في كتابه لما يتلبسون به من الإيمان في الظاهر والإيقاع بالمسلمين في الباطن بشتى الوسائل، قال تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} .

قال قتاده على قوله تعالى: {والمرجفون في المدينة} : ( {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ... الآية} ؛ الإرجاف الكذب الذي كان نافقة أهل النفاق، وكانوا يقولون أتاكم عدد وعدة، وذكر لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله بهذه الآية، قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ... الآية} ؛ فلما أوعدهم الله بهذه الآية كتموا ذلك وأسروه) .

وقال الطبري في تفسيره على هذه الآية: (والمرجفون في المدينة قوم كانوا يخبرون المؤمنين بما يسوءهم من عدوهم، فيقول؛ إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنهم قد قتلوا أو هزموا وإن العدو قد أتاكم، قاله قتاده وغيره) .

وقال أيضًا: قال أبن عباس: (الإرجاف التماس الفتنة، والإرجاف إشاعة الكذب والباطل للإغتمام به ... فالإرجاف حرام لأن فيه أذية، فدلت الآية على تحريم الإيذاء بالإرجاف) .

وقال في"اللباب": ( {المرجفون بالمدينة} ؛ بالكذب، وذلك أن ناسا ً منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقعون في الناس أنهم قتلوا وهزموا، ويقولون؛ قد أتاكم العدو ... ونحوه) .

وما يحدث في زماننا هذا هو عينه ما حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكثيرا ً ما نسمع مقالتهم؛"نحن قلنا لا نرى الذهاب إلى القتال منذ الحرب الأفغانية وحتى اليوم، لما يترتب على ذلك من إضاعة الشباب المسلم بين قتيل وطريد ومشلول وأسير، وما استفادوا من ذهابهم سوى هذه الأمور التي جنوا من خلالها الإساءة إلى أنفسهم وإلى أمتهم، ولو أطاعونا ما حصل شيء مما ذكر".

إنها كلمات تنبئ عن فساد في التصور وخلل في التوجه وفرضية الرأي وتأويل النصوص بما يوافق الهوى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فيا هؤلاء أتظنون أن الدين بالرأي والاجتهاد؟! أما تتقون الله فيما أتمنكم عليه من علم الكتاب والسنة؟ أما تخشون أن يعذبكم الله بلجام من نار بسبب كتمانكم له وعدم عملكم به؟!

فراجعوا رحمكم الله سيرة سلفكم الصالح، ودعوا الإعتزاز بالنفس، فإن الخير كله في تطبيق الكتاب والسنة، وما أجمع عليه علماء سلف هذه الأمة.

نسأل الله أن يدلنا جميعا ً على خير ما يحبه ويرضاه وأن يكفينا الفتن ظاهرها وباطنها إنه سميع قريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت