القسم الأول: حقائق تاريخية؛ ومعلوم أن أخبار التاريخ تنطبق عليا نفس قواعد مصطلح الحديث تقريبا وهذه الأخبار منها المتواتر ومنها المشهور ومنها العزيز ومنها الآحاد، والمتواتر يفيد القطعية في الثبوت، أما الآحاد فيفيد الظن، وعليه فما ثبت بطريق التواتر تصح فيه المباهلة انتهاءً لا ابتداءً، أما ما ثبت بطريق الآحاد فلا يُباهل به والله أعلم؛ لأنه لا يفيد القطع وليس معنى هذا عدم صحته فقد يكون صحيحًا، ومع ذلك لا يُباهل عليه. ثم إن أي واقعة تاريخية لابد من دراستها بأدلتها وشواهدها وإثباتاتها وحججها وبعد ذلك نقول حدث ذلك أو لم يحدث، فهذا القسم على الجملة تصح فيه المباهلة انتهاءً لا ابتداءً وفيما تواتر منه.
القسم الثاني: حقوق كثيرة في الدماء والأموال؛ فمثل هذه أشياء الوسيلة الشرعية فيها هي القضاء الشرعي عبر المحاكم الشرعية وليس المباهلات، فنجلس في محكمة شريعة ونطبق القواعد كقوله -صلى الله عليه وسلم-:"البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" [1] ، وقد نلجأ للقسامة [2] ، ومثل هذه الأشياء لا علاقة للمباهلة فيها وحتى لو تباهلنا فالمباهلة لا تُسقط الحقوق، وإنا ندعوكم ألا تشددوا فيشدد عليكم، ولو أنكم جلستم لمحكمة شريعة لوجدتم أن في الأمر سعة ولن نعدم أن نجد في فقه أمتنا العظام ما نقيل به عثرات بعضنا، فقد قال الإمام الزهري -رحمه الله-:"وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فأجمعوا أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر". [3]
القسم الثالث: أمورٌ اجتهادية وصفناكم بها بعد دراسةٍ متأنيةٍ لطائفتكم وقد قلنا منذ البداية إن هذا من أحكام النوازل، فإن أصبنا فإن هذا محض فضل الله وتوفيقه، وإن أخطأنا فنستغفر الله ونتوب إليه، ومعلوم أن أمور الاجتهاد لا يباهل فيها فالمجتهد يدور بين الأجر والأجرين نسأل الله الإخلاص والقبول.
(1) صححهُ الألباني في إرواء الغليل برقم: 2661
(2) هي الأيمان المكررة في دعوى القتيل المعصوم، سميت بذلك؛ لأن الأيمان تقسم على أولياء القتيل فيحلفون خمسين يمينًا أن المدَّعى عليه قتل صاحبهم. وصورتها: أن يوجد قتيل لا يُعرف قاتله، فتجري القسامة على الجماعة التي ينحصر فيها إمكان قتله. [الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة لمجموعة من المشايخ - ص 357]
(3) شرح العقيدة الطحاوية لإبن أبي العز الحنفي - ص 528 , تحقيق: احمد شاكر