وكما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنهُ قال: (تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء الله أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ) [1]
خلافة تقوم على حاكمية الشريعة، وعلى مبدأ الشورى، واختيار أهل الحل والعقد ومشاورتهم ومشاركتهم، خلافة تبسط العدل، وتنشر الأمن، وتحفظ الضروريات الخمس التي جاء الدين لحفظها، لا كتلك الخلافات المسخ التي تظهر بين الفترة والأخرى، ويشهد عليها العلماء الربانيون، وأهل الحل والعقد من هذه الأمة بأنها خلافات تقوم على غير منهاج النبوة، وأنها عارية من كل معنى من معنى الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ولتعلموا أحبتي أن هذه الابتلاءات العظام والأحداث الجسام لهي مؤشر عظيم على اقتراب النصر والفتح من الله، كما قال الله -تبارك وتعالى-: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [2]
وكما قال الله -تبارك وتعالى-: {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} [3]
وروي الإمام البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت قال: شكونا الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسِّدٌ بُردةً له في ظلِّ الكعبةِ، فقلنا: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: (كان الرجلُ فيمن قبلكم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثنتيْنِ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ) ، ابتلاء عظيم ولكن لا يترك هذا الدين، (واللهِ ليُتِمَّنَ هذا الأمرُ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموتٍ، لا يخافُ إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكنكم تستعجلونَ) [4] ، فمن رحم البلايا تخرج العطايا، ومن رحم المحن تخرج المنح، ومن رحم الصبر يخرج النصر، ومن رحم العسر يخرج اليسر، {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} [5]
(1) قال الألباني: إسناده حسن في تخريج مشكاة المصابيح برقم: 5306
(2) البقرة: 214
(3) يوسف: 110
(4) أخرجه البخاري في صحيحه , كتاب المناقب، باب"علامات النبوة في الإسلام"برقم: 3612
(5) الشرح: 5 - 6