وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله:"ومعنى هذا أن سلطة التغلب كأكل الميتة ولحم الخنزير عند الضرورة تنفذ بالقهر وتكون أدنى من الفوضى .. ومقتضاه أنه يجب السعي دائمًا لإزالتها عند الإمكان، ولا يجوز أن توطن الأنفس على دوامها".
وينبغي الإشارة إلى أن الكلام السابق في إمارة الغلبة والقهر لا يتنزل على من تولى السلطة بالغلبة والقهر من أصحاب البدع الكبرى كالروافض والخوارج؛ فهؤلاء لا يحققون مقصود الإمامة فلا تعقد لهم.
-التمكين والشوكة:
لا بد من تحقق الشوكة والتمكين في الخلافة الراشدة، والمراد بهما ما يحصل به قيام الدين وحفظه وحماية بيضة المسلمين، وهذا الأمر يختلف من زمان إلى آخر؛ فصورة التمكين في القرون الأولى يختلف عن التمكين في هذه العصور؛ فالعبرة في التمكين والشوكة بما يقيم الخلافة ويحميها ويحفظها ويجعلها تقوم بشؤون المسلمين وسياسة أمورهم والقتال دونهم والحفاظ عليهم، وهذا يختلف من عصر لآخر فأسباب التمكين وأدواته في القرون الأولى تختلف عن أسبابه وأدواته في هذا الزمان، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالأَمِيرُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) .
قال الإمام النووي رحمه الله:" (الْإِمَام جُنَّة) أَيْ: كَالسِّتْرِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَع الْعَدُوّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَمْنَع النَّاس بَعْضهمْ مِنْ بَعْض، وَيَحْمِي بَيْضَة الْإِسْلَام، وَيَتَّقِيه النَّاس وَيَخَافُونَ سَطْوَته، وَمَعْنَى يُقَاتَل مِنْ وَرَائِهِ أَيْ: يُقَاتَل مَعَهُ الْكُفَّار وَالْبُغَاة وَالْخَوَارِج وَسَائِر أَهْل الْفَسَاد وَالظُّلْم مُطْلَقًا".
وقال القلقشندي رحمه الله:"والذي عليه العرف المشاع من صدر الإسلام وهلم جرا إطلاق اسم الخليفة على كل من قام بأمر المسلمين القيام العام على ما تقدم إما ببيعة من أهل الحل والعقد وإما بعهد ممن قبله على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى".