هذا من المفاهيم التي يحب أن تصحح عند المسلمين، وهو أساس للفهم السابق، وذلك لأن الموالاة لم تعُد في الله وإنما في التنظيمات والأحزاب والجماعات، وأن المسلم أصبح إما أن يوالي جملة أو يعادي جملة، وهو المفهوم الذي جعل الشقاق بين الأمة سمة ظاهرة.
يقول البدري:"أن المسلمين في أمسِّ الحاجة إلى من يعيدهم إلى العمل بروح الأمة، وقيم الولاء للفكرة الإسلامية، والبعد عن العصبيات والأطراف الحزبية، والتي هي في حقيقة أمرها مقابر تدفن فيها أشلاء الأمة الإسلامية بعد أن قتلتها الفرقة" [1] .
والمفهوم الصحيح في الولاء أن المسلم يوالي بقدر ما فيه من الطاعة، ويعادي بقدر ما فيه من المعصية لا يوالي جملة ولايعادي جملة.
قال ابن تيمية:"إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فتجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، مجتمع له من هذا وهذا، وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة" [2] .
ولا شك أن كل مسلم يخطئ، وليس هناك جماعة مبرأة من كل عيب، فلو أننا فهمنا هذا المنهج الصحيح وعملنا به؛ لرأيت المسلمين يتوالون في الخير ويجتمعون، عليه والدين كله خير وإنما الخطأ في الفهم وبعض الممارسات.
وكان علماء الأمة في سابق عهدها على هذا المنهج، ولا أدل على ذلك مما قاله الذهبي في الميزان عندما ترجم الأبان الكوفي:"شيعي جلد، ولكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه تشيعه" [3] ، مع العلم أنه من رجال البخاري.
معلوم أن الله قال: (ولا يزالون مختلفين) [4] ، وأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفرق إلى ثلاث وسبعين فرقة [5] ، فهذا أمر قدري كوني نسلم به ونصدق بوقوعه، ولكن أمرت الشريعة بالاتفاق وعدم الفرقة فقال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) [6] .
(1) البيان العدد (83) صفحة (39) .
(2) مجموع الفتاوى 27/ 209.
(3) ميزان الاعتدال 1.
(4) سورة هود: 118.
(5) أخرجه الترمذي.
(6) سورة آل عمران: 103.