كان الصحابة رضوان الله عليهم أشد الناس حرصًا على الحق وتعلقًا به؛ فهو ضالة المؤمن التي ينشدها، لأنهم يقرءون قول الله تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) [1] ، ولم يكن الخلاف عندهم نزعة هوي، ولا غاية مقصودة، بل حرصًا على الحق، وحين يتبين لهم كانوا أسرع الناس رجوعًا إليه، ومن ذلك ما ورد في صحيح البخاري لما روي أبو هريرة حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا صوم لمن أصبح جنبًا ) )، وأمر مروان عبد الرحمن بالذهاب إلى عائشة رضي الله عنها وقالت:"كان صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من جماع لا احتلام ويتم صومه"، ولما أخبروا أبا هريرة رضي الله عنه قال:"إنما اخبرني الفضل بن العباس، وأمهات المؤمنين أعلم بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم منا" [2] ، وهذا ظننا بهم رضي الله عنهم.
ثم حمل العلم بعدهم التابعون وأتباعهم ووسِّد إليهم الأمر، فنسجوا على منوال الصحابة الأخيار، وما ورد عن أحدهم أنه ردَّ حقًا بعد ما تبين له، ثم جاء بعدهم الأئمة الأعلام. قال ابن تيمية:"وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته، دقيق ولا جليل فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا وجد للواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافة، فلا بد له من عذر في تركه" [3] .
وما ذاك إلا أنهم أيقنوا أن الحق يُتعرّف عليه من خلال النصوص التي هي مصدر هداية الأمة، فتبعوها، والنتيجة أن الخلاف لم يكن غاية في ذاته، بل كل واحد يطلب الحق بطرقه ووسائله، ويقع الخلاف لأي سبب من الأسباب، فلا بد للأمة أن تخلص النية في طلب الحق لتتفق عليه ولا تختلف.
وترتب على هذا أن الخلاف لم يكن يفسد للود قضية، ولم يكن سببًا في القطيعة والتدابر. قال الصرفي:"ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، إلا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة" [4] .
(1) سورة يونس: 32.
(2) صحيح البخاري، كتاب الصيام.
(3) رفع الملام، ص 10.
(4) سير أعلام النبلاء 10/ 16 ــ 17.