الصفحة 8 من 23

المطلب الثالث: أسباب اختلاف الفقهاء

إن المقرر المعلوم ــ الذي لا يخفي على أحد، ولا تخطئه عين ــ وقوع الخلاف بين الفقهاء، وكتب الفقه تعج بذلك، ويجب أن يُعلم أن هناك جملة من الأسباب اتفقت واجتمعت وأكدت حتمية وجود الاختلاف، ومهدت الطريق لحدوثه، ولم يكن مقصودًا لذاته كما بينا، وفي هذا المبحث نطرح هذه الأسباب كما ذكرها العلماء وهي كالآتي:

أولًا: اختلاف بسبب النصوص الشرعية:

ويظهر هذا في الآتي:

(أ) عدم وقوف بعض العلماء على بعضها: فقد يقف بعضهم على حديث لا يصل إليه الآخر، فيفتي برأيه، وقد يقع اجتهاده موافقًا للنص كما ورد في سنن النسائي وغيره:"أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن أمرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها، فقال: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك؛ فاختلفوا عليه شهرًا، وألحوا، فاجتهد برأيه وقضي بأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فشهد بأنه صلى الله عليه وسلم قضي بمثل ذلك في امرأة منهم، ففرح بذلك ابن مسعود رضي الله عنه فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام" [1] .

وربما وقع اجتهاده مخالفًا للنص كعثمان رضي الله عنه كان يفتي بأن المتوفي عنها زوجها لا تعتد في بيت الموت، ولم يكن له علم بحديث الفريعة بنت مالك رضي الله عنها لما توفي زوجها قال لها صلى الله عليه وسلم: (( امكثي في بيتك حتي يبلغ الكتاب أجله ) ) [2] .

ونظائر هذا عند الصحابة كثيرة، وما ذاك إلا لأن الصحابة رضي الله عنهم ما زعم أحدهم لنفسه أنه استوعب السنة كاملة وكذا التابعون.

قال شيخ الإسلام:"هؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها، فمن بعدهم أنقص، فخفاء بعض السنة عليهم أولى، فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة، أو إمامًا معينًا فهو مخطئ خطأ فاحشًا قبيحًا" [3] .

(1) سنن النسائي.

(2) أخرجه أحمد في المسند 6/ 380، وأهل السنن وصححه الترمذي.

(3) رفع الملام، ص 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت