الصفحة 11 من 20

والعنبريَّ كانا من المُرجئة؛ فإنّ الكرابيسيَّ كان قريبًا من أهل الحديث؛ في حين كان الفُوَطي، كما سبق القول، معتزلياًّ، وكذلك الجاحظ. على أنّ الواضح أنّ الثلاثة (العنبري والفوطي والكرابيسي) كانوا يعتبرون هذه المقولة أصلًا كلامياًّ أو اعتقادياًّ، أرادوا بها الابتعادَ عن التكفير الذي شاع بين الفِرَق الإسلامية في القرن الثاني؛ في حين كان أبو حنيفة يؤيّد إطلاق حريّة الاجتهاد في فقه الفروع، إضافةً -طبعًا- إلى تجنّب آثار الاختلاف في الأصول.

ومع أنّ الجميع في القرن الثاني ما كانوا يُقِرّون الاختلافَ الاجتهاديَّ في العقائد؛ فقد كان الواقع أنّ التجاذُب كان شديدًا حول تكييف أحداث القرن الأول بين الصحابة، كما كان واقعًا فيما لا مدخَلَ مباشرًا لتلك الأحداث فيه وهما: قضيتا الإيمان والقَدَر. ويمكنُ القولُ هنا إنّ مقولة:"كل مجتهدٍ مُصيب"كانت بداية الافتراق بين الفقهاء والمتكلّمين باتّجاه إقرار الاختلاف أو الاجتهاد في الفقه، ومنعه أو إنكاره في الاعتقادات. وقد ظهر الاقتناعُ بمقولة الاجتهاد الفقهي من تلك الرسائل المتبادَلة في الاختلاف بين فقهاء التابعين وتابعيهم، والتي سبق ذكرُها. لكنْ في الوقت نفسِه بدأ البحثُ عن ضوابطَ ومقاييس يمكنُ الاحتكامُ إليها في أحوال الاختلافِ في الفروع. لذلك سُرعان ما بدأت الردودُ على"المصوِّبة"هؤلاء باتّجاه الذهاب إلى أنَّ"الحقَّ في واحد"ليس عند الله عزَّ وجلّ فقط؛ بل وعند الناس، والمُضيُّ من أجل تأكيد ذلك لتقرير أصول قراءة خطاب الله تعالى، وأدلّة ذلك الخطاب أو مصادره وحُججها وحجّيتها [1] [20] .

(1) [20] جاء في الرسالة للشافعي (560 وما بعدها:"قال: فإني أجد أهل العلم قديمًا وحديثًا مختلفين في بعض أمورهم فهل يسعُهُم ذلك؟ قال؛ فقلتُ له: الاختلاف من وجهين، أحدهما محرَّم ولا أقولُ ذلك في الآخَر. قال: ما الاختلاف المحرَّم؟ قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على"

لسان نبيه منصوصًا بيننا، لم يحلّ الاختلاف فيه عن علمه ... وأمّا ماكُلّفوا فيه من الاجتهاد فقد مثلْتُهُ لك بالقبلة والشهادة وغيرها ..". وقارن عن مسألة الاختلاف؛ الروكي: نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، مرجع سابق، ص 207 - 251."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت