والقواعد [1] [16] . فقد أراد كُتّابُ المقاصد منذ ابن عقيل (513 هـ/1119 م) في مطلع القرن السادس إعادة وصل الأصول بالفروع لإطلاق حركةٍ اجتهاديةٍ كبرى، ما تراجعت طبعًا لأسبابٍ تقنيةٍ فقط. كما أراد كُتّابُ القواعد من طريق إيصالها إلى مئاتٍ منذ القرن السابع، الخروجَ من إلزامات وتضييقات مباحث العلّة في القياس، وسط نقدٍ عارمٍ لسيطرة المنطق اليونانيّ على القياس الفقهيّ [2] [17] .
قال أبو زيد الدَّبُوسي (430 هـ/1038) في"تقويم الأدلة": بلغَنا عن أبي حنيفة (150 هـ/767 م) أنه قال ليوسف بن خالد السمتي (190 هـ/805 م) :"كلُّ مجتهدٍ مُصيب، والحقُّ عند الله واحد. فبيَّنَ أنّ الذي أخطأَ ما عند الله مُصيبٌ في حقّ عملِه" [3] [18] . والمعروف أنّ هذا القولَ نفسَهُ مرويٌّ عن معاصر أبي حنيفة عبيد الله بن الحسن العنبري (168 هـ/784 م) قاضي البصرة، وعن المفكّر المعتزلي هشام الفُوَطي (220 هـ/835 م) ، وعن الوليد بن أبان الكرابيسي (226 هـ/840 م) ، وعن عمرو بن بحر الجاحظ (255 هـ/868 م) [4] [19] . وفي حين تذكر المصادر أنّ أبا حنيفة
(1) [16] كان أستاذنا علي سامي النشار قد نشر أواخر الاربعينات أطروحتَهُ عن مناهج البحث عند المسلمين ونقد المنطق الأرسطي. ثم ظهرت رسائل السيوطي وابن الوزير في نقض المنطق الأرسطي، وهي تتضمن نقولًا واقتباساتٍ قديمة. بيد أنّ كتاب ابن تيمية: الرد على المنطقيين، يبقى أهمَّ ما صدر لهذه الناحية
(2) [17] أبو زيد الدبوسي: تقويم الأدلة في أصول الفقه. قدم له وحققه الشيخ خليل الميس. منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، 2001، ص 406
(3) [18] قارن عن ذلك الآمدي في الإحكام، م 4/ 154 - 157، والحاصل من المحصول للأرموي. دراسة وتحقيق عبد السلام محمود أبو ناجي. دار المدار الإسلامي، 2002، 3/ 272 - 284. وانظر يوسف فان اس: بدايات الفكر الإسلامي، الأنساق والأبعاد. نشر الفنك. الدار البيضاء 2000، ص 104 - 107. ولفان أس دراسةٌ مستقلةٌ عن العنبري، وهو فيما يبدو مُرجئٌ وليس معتزليًا كما يقول كُتّاب أُصول الفقه. وما ذكر فان أس الجاحظ في هذا السياق.
(4) [19] قارن بابن الشيخ: مراعاة الخلاف في المذهب المالكي، مرجع سابق، ص 217 - 219.