السُنّة. ثمّ ما لبث الاختلافُ أن صار فناًّ مستقرًّا منذ كتابيْ محمدِ بن نصر المروزي (294 هـ/906 م) المعروف باسم: اختلاف العلماء، ومحمدِ بن جرير الطبري (310 هـ/922 م) المعروف باسم: اختلاف الفقهاء. وقد ارتقى هذا الفنُّ كما هو معروفٌ إلى مصافّ الفقه المقارن بين المدارس الفقهية المختلفة، وداخل كلّ مدرسةٍ سعيًا لتقرير الرأي الراجح في المذهب.
3.التركيز على التقعيد؛ وهذا مفهومٌ باعتباره نوعًا من التنظيم لمبادئ العمل في المذهب. لكنْ كان هناك حرصٌ على تقليل تلك القواعد، والتنافُس في ذلك؛ بحيث يقتصر الأمر على أربع قواعد أو خمس، وتعديد المسائل الداخلة تحتها. بدأ ذلك الكرخي الحنفي ومعاصره ابن بركة لدى الإباضية، وتبعهما الآخرون. وقصةُ ابي طاهر الدبّاس الحنفي مشهورة؛ إذ يقال إنه ردَّ جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة؛ لكنّ سبعًا منها عُرفت فقط، وقلّلها الشافعية إلى أربع أو خمس كما هو معروف وهي:"اليقين لا يزول بالشكّ"، و:"المشقة تجلب التيسير"، و:"الضرر يُزال"، و:"العادة محكّمة"، و:"الأمور بمقاصدها".
4.الانقطاع بين علم أصول الفقه بقواعده الكبرى السالفة الذكر، والاجتهاد الفقهي المتمركز حول شرح المختصرات، والتفريع على القواعد الفقهية، ونُصرة هذا المذهب أو ذاك في نطاق التنافُس بين المدارس، والتنافس بين كبار الفقهاء. وليس معنى ذلك أنّ مقاصد التشريع وفلسفته الكبرى، كانت واضحةً منذ البداية؛ لكنّ ما قرره الشافعيُّ في الرسالة أواخرَ القرن الثاني الهجري؛ وبخاصةٍ في اعتباره القياسَ دليلًا، وقصر الاجتهاد على إدراك العلّة أو اكتشافها؛ ما جرت إعادةُ النظر فيه حتى في حقبة الازدهار المعتزلية في القرنين الثالث والرابع للهجرة. وبذلك انفصلت القواعد الأصولية التي اعتُبرت اللغويةُ منها على الخصوص ثابتةً ومطلقة، انفصلت عن القواعد الفقهية التي كان من المفروض أن تعبِّر هي عن فلسفتها من طريق الاجتهاد في استنباط الأحكام على أساسٍ منها.
ويبدو لي أنّ هذا التطوُّر في طرائق التأليف والتقعيد، الرامي إلى صنع"تقليد"مذهبيٍّ صلب، والذي يحدُّ من إمكانيات التجديد إلاّ بالانشقاق؛ كان وراء تلك الفورة في القرنين السابع والثامن للهجرة في فقه المصالح والمقاصد، وفي كتب الفروق