الصفحة 12 من 20

ومن هنا انصبَّ جَهدُ الإمام الشافعي (204 هـ/819 م) في الرسالة والأُمّ على تقرير الأصول أو الأدلّة الشرعية في الأولى، وعلى تطبيق ذلك المنهج (الاختلاف المنضبط) في الكتاب الثاني [1] [21] .

وما كانت مهمةُ الشافعيّ وأقرانه ميسَّرةً حتى لجهة تقرير الأصول الشرعية أو الأدلة. فقد سادت وقتَها مقولة واصل بن عطاء (131 هـ/748 م) الذي يُنسَبُ إليه تأسيس الاعتزال، والقائلة:"الحقُّ يُعرف من وجوهٍ أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجتمع عليه، وحجة عقل، وإجماع" [2] [22] . لذلك تركّز جَهدُ صاحب الرسالة على نقد مفهوم الخبر المجتمع عليه، الذي كان يُقارنُ السنة لدى فقهاء التابعين وتابعيهم (بما في ذلك أبو حنيفة ومالك) . فقد رأى الشافعيٌّ وأصحابُ الحديث أنّ السنة تملكُ الحجيةَ، لا لاجتماع الناسِ عليها؛ بل للوثوق بصدورها عن النبي - - - رمضان الله - - ربيع أول - - الذي لا ينطق عن الهوى، بنصّ القرآن. وهكذا ينحصرُ الأمر بضبط طرائق ورود الحديث (أو أخبار الآحاد عن قول النبي عليه السلام وفعله وتقريره) ، الذي يصير سنةً متّبعةً عند غَلَبة الظنّ حول صحّة نسبته إلى الرسول عليه السلام. أما الدليلُ الثالثُ أو الأصلُ الثالث: الإجماع؛ فقد قال الشافعيُّ بحجيته بضمان القرآن أيضًا"اتّباع سبيل المؤمنين" [3] [23] .

وإذا كان سائرُ فقهاء النصف الثاني من القرن الثاني الهجري قد واجهوا مشكلتي إثبات حجية خبر الواحد، وحجية الإجماع، باعتبارهما مصدرًا تشريعيًا؛ فإنّ المشكلة الأعقَد كانت الاحتجاجَ للاجتهاد، أو لحجّة العقل، بحسب تعبير واصل ابن عطاء. وقد اختصر الشافعيُّ الطريق أو قطعه على المتكلّمين أو أنّه سار على

(1) [21] أبو هلال العسكري: الأوائل، تحقيق محمد المصري. دمشق، 2/ 124. وقارن بتحليلٍ واسعٍ للمسألة في كتابي: الأمة والجماعة والسلطة، بيروت 1985، ص 147 - 150.

(2) [22] هناك تقويماتٌ مخلتفةٌ لدى غير المتخصصين في الفقه لتجربة الشافعي، أشهرها في السنوات الأخيرة كتابات حسن حنفي ومحمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد. بيد أنَّ كتاب أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة عن الشافعي ما يزال الأفضل لقراءة نظام الشافعي الفقهي من الناحية التقنية.

(3) [23] انظر تقويم الأدلة للدبوسي، مصدر سابق، ص 407 - 416. انظر: الاجتهاد للجويني (مستلّ من كتاب: البرهان في أصول الفقه ط. دار الفكر، 1414 هـ، ص 36 - 45، وابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين. نشرة مصر، 1/ 78 - 89. وانظر عن هذه المشكلة؛ ابن الشيخ: مراعاة الخلاف، مرجع سابق، ص 221 - 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت