المنهج نفسِه كما في حالتي الأخبار والإجماع؛ عندما ذهب إلى أنّ الاجتهاد (العقليَّ) دليلٌ أيضًا هو الرابع؛ لكنه شكلٌ محدَّدٌ من أشكال التأمُّل العقليّ أو الاستنتاجيّ هو القياس (على الأصل الثابت: القرآن والسنة) . وهذا سرُّ انزعاج الشافعي وأصحاب الحديث من مقولة:"كلُّ مجتهدٍ مُصيب"؛ إذ معنى ذلك أنّ المتكلِّم يستطيع إنشاءَ الأحكام؛ أي أنّه يمكن أن يكونَ شارعًا، والحقُّ أنه لا شارعَ إلاّ الله عزَّ وجلّ. والقرآن في نظر الشافعيّ، وبحسب فهمه لبعض آياته، جامعٌ وشاملٌ ومتضمّنٌ كلَّ شيء أو أنّه متضمّنٌ لكلّ الأحكام ولكلّ علِلها. ولهذا يقتصر عمل الفقيه على اكتشاف الحكم من طريق اكتشاف العلّةِ الجامعة بين الوقائع المستجدَّة، وما انطوى عليه واحتضنه النصُّ والخبر النبوي الصحيح [1] [24] . وإذا كان الحادث ينضبطُ بعلّته؛ فإنّ حكمه ينكشفُ للفقيه المتمرّس (المجتهد) بالقراءة المتفهّمة للنصّ من بيانه المتعقَّل من أُصوله اللغوية التي تدورُ بين حقيقةٍ ومجاز، وعامٍّ وخاصّ، وناسخٍ ومنسوخ، ومجمَلٍ ومقيَّد ... الخ [2] [25] .
تحت وطأة الصراع مع المعتزلة والفلاسفة إذن، والتنافُس مع السلطة السياسية وعليها، ساد منهج الشافعي التأصيلي والتعليلي. فصارت الأصول الشرعية أصولًا لغوية، أمّا ما يُعرفُ بالقواعد الأصولية فاقتصر على"اكتشاف"العِلَل، وهو العملُ الرئيسيّ المطلوب من الفقيه بحسب الشافعي. أمّا"مقاصدُ الشريعة"فقد جرى إهمالُها أو إيكالُ أمرِها إلى المتكلِّمين باعتبارها من مباحث العقيدة، وليس من مباحث الفقه. واضطرَّ الأحنافُ لإنقاذ مذهبهم إلى اكتساب المعرفة بالحديث، وضبط آراء جِيلَيْهِم الأوّل والثاني بمرويّات المحدِّثين. أمّا الاستحسان عندهم، والذي لا يخضعُ لضوابط الشافعي في القياس، فقد ذهبوا إلى أنه قياسٌ خفيٌّ. واحتار المالكية في"عمل أهل المدينة"وفي"المصالح المرسَلة"، وهي من موروثات ما قبل مرحلة الشافعي
(1) [24] قارن بالرسالة للإمام الشافعي. تحقيق أحمد شاكر، 1940 ص 486 - 512.
(2) [25] "الأصول التي عليها مدار كتب أصحابنا من جهة الإمام العالم العلامة أبي الحسن الكرخي وذكر أمثلتها ونظائرها وشواهدها للإمام نجم الدين أبو حفص عمر بن أحمد النسفي"؛ والرسالة على ص 80 - 87 من الكتاب الذي بُدئ فيه بتأسيس النظر للدبوسي. نشر مكتبة الخانجي؛ وهي نشرة مصوَّرة عن الطبعة القديمة. وعلى النشرة أنها تمت عام 1994. وانظر: التنظير الفقهي لجمال الدين عطية، مرجع سابق، ص 81.