الصفحة 14 من 20

وأصحاب الحديث؛ فضبطوا الأصل الأوّل بالسنة عمومًا، وجعلوا الثاني بدايةً من لواحق تحقيق المناط في مباحث العلة في القياس.

أمّا الذين رفضوا الإذعانَ للفقه الجديد فقد تضاءلت مذاهبهم وزالت أو تحوّلت إلى مدارس قلّة.

والواقع أنّ القواعدَ الفقهية هي ثمرةٌ مُباشرةٌ غير مقصودة لأمرين قامَ بهما صاحبُ الرسالة وجِماع العلم وجيله.

الأمر الأول: الفصل بين الأصول المقاصدية والفقه.

الأمر الثاني: بناء الأصول الشرعية بناءً شكلياًّ مُحْكَمًا.

يذكر مؤرّخو الفقه أنَّ أوّلَ من دوَّن القواعدَ الفقهية لمذهبٍ معيَّن هو أبو الحسن الكرخي (340 هـ/951 م) الذي كتب رسالةً خاصةً في الأصول التي عليها مدارُ فروع الحنفية. وقد عُني بها فيما بعد أبو حفص عمر بن أحمد النَسَفي (537 هـ/1142 م) فذكر أمثلتها ونظائرها توضيحًا لما حوتْهُ من الأصول والقواعد. ويقال إنّ الكرخيَّ أخذ قواعدَ أبي طاهر الدبّاس، كما سبق ذكره، وأضاف عليها فجاءت مجموعةً في تسعٍ وثلاثين قاعدة (وهي مطبوعةٌ مع تأسيس النظر للدبوسي كما هو معروف) [1] [26] . وطريقتُه في العمل أنّه يعمدُ إلى جمع النظائر والأشباه في جزئيات الفقه في أبوابه المختلفة ويوجزها أو يجرّدها تجريدًا نسبيًا في قاعدة. ومن الأمثلة على ذلك القاعدة القائلة عنده أن:"أمور المسلمين محمولةٌ على الصلاح والسداد حتى يظهر غيره". والقاعدة المقرِّرة أنّ:"للحالة من الدلالة كما للمقالة". والقاعدة المقرِّرة أنّ:"السؤال والخطابَ يمضي على ما عمَّ وغلب لا على ما شذَّ ونَدَر". والقاعدة القائلة أنّ:"الاحتياطَ في حقوق الله جائز، وفي حقوق العباد لا يجوز". والقاعدة القائلة أنه:"إذا مضى (الحكم) بالاجتهاد لا يُفسخ باجتهاد مثله، ويُفسخ بالنص" [2] [27] .

(1) [26] أصول الكرخي، مصدر سابق، ص 85 - 86.

(2) [27] قارن عن ابن بركة وفقهه وقواعده؛ زهران بن خميس بن محمد المسعودي: الإمام ابن بركة السُليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع. ط 1، 2000 م؛ ص 66 - 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت