والأمرُ نفسُهُ الذي يفعلُهُ الكرخي والنَسَفي من جمع الأشباه والنظائر الجزئية تحت قاعدة، يقومُ به ابن بركة (362 هـ/972 م) في"الجامع". ونستطيع مراقبة هذه العملية الجارية من طريق الاستقراء عند ابن بركة، أفضل مما نستطيع ذلك لدى الكرخي؛ لأنّ كتاب ابن بركة"الجامع"وصلنا كاملًا [1] [28] . فقد ذكر مَثَلًا أنه استنبط قاعدة:"الضرورات تُبيحُ المحظورات"من الجزئيات التالية:
-... أنّ للمجاهد، وكذلك المطلوب من قِبل عدوٍ يخافُهُ أن يصلّيَ كلٌّ منهما بحسب قدرته.
-... وأنَّ المريض الذي لا يجد السبيل إلى الانتقال والتحوّل إلى جهة القبلة يصلّي حسب وجهته التي هو عليها.
-... وجواز صلاة الفريضة على ظهور الدواب عند الاضطرار.
-... وجواز تغطية المحرم رأسه إذا اضطُرّ إلى ذلك.
-... وجواز الأكل من أموال الناس لمن اضطُرَّ إلى ذلك.
وفعل ابن بركة الشيئَ نفسَهُ مع قواعد فقهية أُخرى من مثل:
-..."المشقة تجلب التيسير".
-..."كل تصرفٍ صدر من غير أهله فنفاذه متوقفٌ على إجازة من له حق الإذن به".
-..."المعصية لا تكون إلا من قاصدٍ إليها".
-..."الأموال لا تُدفع إلاّ بالبيِّنة"
-..."وإذا وقع الإذن زال المنع".
-..."إذا كان الفرض وجب بوصفٍ سقط بزواله".. الخ [2] [29] .
ويعتذر هؤلاء المؤرّخون لمستنبطي القواعد من الجزئيات؛ بأنّ فقهاءَ المذاهب الأوائل، باستثناء الشافعي، ما دوَّنوا الأصول الشرعية التي اعتمدوا عليها وضبطوها؛ ولذلك جاءت الأجيالُ التاليةُ لتعتمد على منهج الاستناد إلى نهج استقراء الجزئيات
(1) [28] كتاب الجامع 1/ 578، 498، 2/ 75، 421 - 422، 543. وانظر كتاب المسعودي: ابن بركة، مرجع سابق، ص 144 - 145.
(2) [29] يتحدث كتّاب أصول الفقه عن طريقتين في كتابة الأصول: طريقة الشافعية والمتكلمين، وطريقة الفقهاء بعامّة بدءًا بالأحناف. قارن بمحمد أبو زهرة: أصول الفقه، ص 10 - 15، وعبد الوهاب أبو سليمان: الفكر الأصولي، نشر مكة المكرمة، ص 60 - 72، وجمال الدين عطية، التنظير الفقهي، مرجع سابق، ص 25 - 40.