لوضع قواعد تمكّنُهُم من استعمالها اطّرادًا في الوقائع المستجَدّة!؛ ولذلك زعموا أنّ هناك طريقتين أو نهجين فقهيين:
? نهج الشافعي والمتكلِّمين.
? ونهج الفقهاء الآخرين.
أما نهجُ الشافعي فيبدأ من الكليات إلى الجزئيات، وأمّا نهجُ الفقهاء الأحناف وغيرهم فيبدأُ من الجزئيات إلى الكليات [1] [30] ؛ لافتقارهم في البداية إلى تقعيد الأصول، كما فعل الشافعي!.
والحقُّ أنّ هذا كلَّه لا يصحّ. فالشافعيُّ الذي كان مهجوسًا باختراق منهج المعتزلة العقلي للقضايا التشريعية، أقام بناءً شكلياًّ مُناقضًا بقصد الفصل والضبط، من طريقي التأصيل والتعليل، فجرَّد الأصول؛ لإخراجها من عقلانية المعتزلة المُسرفة، وبذلك قلَّدهُم دون أن يقصد بمحاولة بناء منظومة نصيّة، فأضعف تأثير الأصول في استنباط الفروع أو متابعة الوقائع من طريق الاجتهاد. والدليلُ على ذلك أمران اثنان:
أ أنّ الفقهاء الشافعية هم أكثر المدارس الفقهية استعمالًا للقياس الأرسطي؛ لأنّ منهجهم تجريدي وتعليلي؛ فنتائجه متضمّنة في مقدماته. وهاتان هما السِمتان الرئيسيتان لمنطق أرسطو، أَلَمْ يقل الغزالي الشافعي:"إنّ مَنْ لم يعرف المنطق لا يوثَقُ بعلمه"؟!.
ب أما الأمر الثاني فهو أنّ الفقهاء الشافعية أنفسَهُم عندما اضطُرُّوا للتقعيد الفقهي، لجأوا للاستقراء، ولاعتبار الجزئيات. وبعد أن مضوا بعيدًا في ذلك، عادوا للتأليف في تخريج الفروع على الأصول، ليعيدوا ربط قواعدهم المستنبطة بالاستقراء بالنهج التعليلي والتأصيلي. والغزاليُّ الذي يرى ما سبق ذكره في عصمة المنطق أو علميته وضرورته للاجتهاد الفقهي، يعودُ للقول مُناقضًا نفسَه:"إنّ النصوصَ تتناهى، والوقائع والنوازل لا تتناهى"!.
بيد أنّ المشكلة أنَّ أحدًا ما صرَّح وكتب باستقلال التدبُّر العقلي في الاشتراع، ربما باستثناء الظاهرية وابن حزم (456 هـ/1063 م) وبطريقةٍ مواربة، ومن منطلقٍ مدخول يقول باستحالة الاختلاف. فقد نفى ابنُ حزمٍ أن يكونَ القياسُ دليلًا، ولجأ للاستنباط المباشر من الكتاب والسنة. أمّا ما لم يستطع أن يجد له حكمًا في القرآن أو السنة
(1) [30] قارن بأنور خالد الزعبي: ظاهرية ابن حزم الأندلسي، نظرية المعرفة ومناهج البحث، دار البشير بعمّان، 1996، ص 120 - 126، 140 - 152.