وكان الكرخيُّ الحنفيُّ ما يزال يرى أنه"يُفرقُ بين علة الحكم وحكمته فإنّ علته موجبة وحكمته غير موجبة" [1] [34] ، فجاء الفقيه الشافعيُّ عز الدين ابن عبد السلام (660 هـ/1261 م) ليكتب كتابًا ضخمًا هو"قواعد الأحكام في إصلاح الأنام"، يذهب فيه إلى أنّ الشريعة كلَّها مبنيةٌ على جلب المصالح للعباد ودرء المفاسد عنهم [2] [35] . وفي الوقت الذي كان فيه ابن تيمية (728 هـ/1327 م) يكتب في نقد المنطق الأرسطي وبناء القياس الفقهي عليه، ويرى أنّ مشكلةَ المشاكل فيه قيامُهُ على الكليات، بينما يقوم فقه الفروع على الجزئي [3] [36] ؛ كان تلميذه ابن القيم (751 هـ/1350 م) يضعُ رسالته"الطُرُق الحكمية"في بناء الأحكام على المصالح. وبلغ الأمر الذروة مع القرافي (684 هـ/1285 م) في الفروق، والشاطبي (-790 هـ/1388 م)
في"الموافقات"؛ حيث أصبحت حكمة الشريعة أو عقلُها أو مقاصدُها (يعني مصالح العباد الضرورية) هي الحاضنةُ لكلّ ما عداها، وليس في شريعتنا فقط؛ بل كما قال الشاطبي:"وقد قيل إنها (أي مصالح العباد) مُراعاةٌ في كل مِلّة" [4] [37] .
(1) [34] أصول الكرخي، مصدر سابق، ص 85 (من تحت (المراجع: عبارة غامضة.
(2) [35] عز الدين ابن عبد السلام: القواعد الكبرى الموسوم بقواعد الاحكام في مصالح الأنام. تحقيق نزيه حمّاد وعثمان ضميرية. دار القلم بدمشق، 2000، م 1، ص 39:"الشريعة كلّها مشتملةٌ على جلب المصالح كلّها، دقّها وجلّها، وعلى درء المفاسد بأسْرها دقّها وجلّها. فلا تجد حكمًا لله إلاّ وهو جلبٌ لمصلحةٍ عاجلةٍ أو آجلةٍ، أو درء مفسدةٍ عاجلةٍ أو آجلة".
(3) [36] ذكر ابن تيمية ذلك في الرد على المنطقيين، وفي المقالات المجموعة في"نقض المنطق". وقارن بعلاء الدين حسين رحّال: معالم وضوابط الاجتهاد عند شيخ الإسلام ابن تيمية. دار النفائس بالأردن. 2002. ص 132 - 147، 189 - 193.
(4) [37] الشاطبي: الموافقات، مطبعة المنار بمصر، 1914، 1/ 38، 2/ 10. وعن علاقة القواعد الفقهية بالمقاصد؛ انظر جمال الدين عطية: نحو تفعيل مقاصد الشريعة. نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي. ط. دار الفكر بدمشق. 2001. ص 206 - 209.