الصفحة 19 من 20

كانت للقواعد الفقهية وظيفتان رئيسيتان (بالإضافة إلى تبسيط فقه المذاهب وتنظيمه) :

الأولى: إعادة الربط بين الواقع والأصول الشرعية لتجديد حركية الاجتهاد والتجديد، وتمكين الفقيه من ممارسة مهمته في متابعة"الوقائع التي لا تتناهى".

الثانية: خدمة القضاة والمفتين في عملية تعقُّل الشريعة، وتطبيقها في حياة الناس، وفي حلّ مُشكلاتهم.

أذكر أنّ طالبًا أميركيًا من أصلٍ عربي كتب قبل سنواتٍ أُطروحةً عنوانها التقريبي:"هل كان يمكن للمتخاصمين والشهود العدول توقُّعُ الحكم الذي سيُصدرُهُ القاضي المالكي في خصومةٍ معينةٍ أمامه في فاس في القرن الثامن الهجري؟؟"، حاول الطالب الإجابة على هذا السؤال الكبير من خلال كتب الفتاوى والنوازل، ثم مختصرات المذهب. ثمّ أفضى به البحث إلى كتب القواعد الفقهية، وكان جوابُهُ بالإيجاب. والمعروف أنّ واضعي مجلة الأحكام العدلية العثمانية، استخرجوا حوالي المائة قاعدة من كتب المذهب الحنفي (اعتمدوا في الأكثر على الأشباه والنظائِر لابن نُجيم الذي ينقل كثيرًا عن السيوطي الشافعي!) ووضعوها في مقدمة المجلة باعتبارها مواد قانونيةً جاهزة [1] [38] .

ونعرفُ جميعًا أنّ الفقه الإسلامي من طبيعةٍ مختلفةٍ عن أصول وتكوينات القوانين المدنية الحديثة. بيد أنّ بعض قواعده وضوابطه وتقريراته دخلت في عددٍ من القوانين، وفي الدرس الأكاديمي العامّ. ونحن محتاجون إلى قراءة هذا الفقه ليس لجهة فائدته في الحاضر وحسْب؛ بل ولأنه تاريخٌ لم يُكتبْ بعد. ولا شكّ أنّ أصول الفقه محتاجةٌ أكثر من علومه الأخرى لقراءاتٍ نقدية. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

(1) [38] جمال الدين عطية: التنظير الفقهي، مرجع سابق، ص 74، ومحمد صدقي بن أحمد البورنو: موسوعة القواعد الفقهية، نشرة خاصة 1416 هـ، م 1، ص 44 - 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت