الصفحة 4 من 20

ويبدو أنّ الأصوليين وضعوا قاعدة:"مآلات الأفعال"والقواعد المشابهة إلى جانب القواعد اللغوية، ضمن سياقٍ واحدٍ هو:"القواعدُ الأصولية"، بجامع كليتها أو شمولها، ولاعتبار التشابُه في الوظيفة، رغم الاختلاف النوعي. فالقاعدة اللغويةُ التي تنصُّ على أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، والقاعدة القائلة إنّ العامّ يبقى على عمومه إلى أن يرد دليلٌ يخصِّصُهُ؛ كلتاهما ذات طبيعةٍ كليةٍ، وتدخل تحتهما أحكامٌ كثيرة؛ لكنّ المميزَين الرئيسيَين لهما أنّ كليتهما ثابتةٌ بنفس الأمر؛ إذْ إنهما ناجمتان عن خطابٍ قرآني. وتختلف حجية القياس، وحجية خبر الواحد من وجهٍ مؤدّاه أنّ المسألتين ليستا لُغويّتين. وفي حين يمكن القولُ إنّ حجية خبر الواحد هي من لوازم أو مستتبعات حجية السنة؛ لا يمكن قولُ ذلك أيضًا عن القياس. فهو ليس قاعدةً لغويةً، كما أنّ حجّيته لم تثْبُتْ بالنصّ نفسِه. وهكذا الأمرُ مع قاعدة:"اعتبار مآلات الأفعال"؛ أو:"اليقين لا يزول بالشك" [1] [10] .

والذي أُريدُ التوصُّلَ إليه من وراء ذلك كلِّه؛ أنّ القواعد اللغوية ثبتت بالوضع أو الاصطلاح المتّصل اتصالًا مباشرًا بمنطوق النصّ أو لازمه، في حين ثبتت قاعدتا القياس واعتبار مآلات الأفعال بالاستقراء لجزئيات الشريعة، وافتراض جوامع لها، الأولى:"القياس"لجهة عِلَل الأحكام، والثانية:"اعتبار مآلات الأفعال"لجهة نهاياتها.

وهكذا فإنّ القواعد اللغوية ذات طبيعة منهاجية؛ أي تتّصل بطرائق قراءة النصوص وتفسيرها وتأويلها، ومرتكزات ذلك كلِّه؛ في حين يتّسم القياس، وتتّسم قاعدتا:"اعتبار مآلات الأفعال"، أو:"اليقين لا يزول بالشك"، بطبيعةٍ تأصيلية؛ ولذلك أرى التمييز بينهما بتسمية الأولى قواعد لغوية، وتسمية الثانية قواعد أصولية. وفائدةُ ذلك أنّ القواعد اللغوية تتعلّق بمادة الشرع، بينما تتعلق الثانية بعقل الشرع أو حكمته.

(1) [10] القرافي: الفروق، م 1/ص 2. وقارن بمحمد بن المدني الشنتوف: القواعد الأصولية عند القاضي عبد الوهاب البغدادي، نشر دار البحوث والدراسات بدُبي، 2003 م، ص 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت