الصفحة 7 من 20

أمّا القواعدُ الفقهية فتُعنى بنظْم الأحكام الجزئية المتعلِّقة بالفروع في الأبواب المختلفة بحيث تظهرُ قواعدُ وسطى، يمكن الاستناد إليها في توليد المزيد من الأحكام في النوازل والمستجدات. وهكذا فإنّ الاجتهاد والتجديد -إذا صحَّ التعبير- إنّما جرى في الحقبة الثانية من حِقَب تدوين الفقه فيما بين القرنين الثالث والسادس للهجرة؛ من خلال القواعد الفقهية والفروع أو الجزئيات أو الوقائع غير المتناهية، بحسب تعبير الإمام الغزالي (505 هـ/ 1111 م) المقرّر لتلك العبارة الهائلة أنّ النصوص تتناهى والوقائع لا تتناهي!.

وقد ترتّبت على ذلك التطوّر لدى سائر المدارس الفقهية طرائق في التفكير والعمل يمكن تلخيصُها على النحو التالي:

1.التركيز على التنظيم في التدوين الفقهي بطرائق غريبة بعض الشيء؛ بمعنى أنّ مؤلَّفات الأجيال الثلاثة الأولى، ما كانت تُشرحُ ويُضافُ إليها؛ بل كان يجري إيجازُها أو اختصارُها ثم شرح ذلك المختصر أو تلك المختصرات. وهذا ينطبقُ على سائر مؤلَّفات المدارس الفقهية. ففي المدرسة الحنفية التي لم يترك شيخُها أبو حنيفة كتبًا، جرى جمعُ كتب محمد بن الحسن الشيباني الستة (المعروفة بكتب ظاهر الرواية) من جانب الحاكم الشهيد، واختصارُها، ثم قام السَّرَخْسي بشرح المختصر، إلى أن ظهر مختصر الطحاوي والقدوري فقام آخرون بشرحهما وهكذا. وفي المدرسة المالكية جرى التمسك طويلًا بحفظ موطَّأ مالك؛ لكنّ العملَ والجهدَ انصبّ على مختصر ابن أبي زيد وشرحه مرارًا وتكرارًا إلى أن ظهرت عبر العصور مختصراتٌ أُخرى. وفي المذهب الشافعي، ما شرح أحدٌ أو أضاف على كتاب الأم للشافعي؛ بل اختصره المُزني وانصبَّ الجَهدُ على شرح مختصر المُزني. ولدى الحنابلة ظهر مختصر الخِرَقي، ثم توالت الشروحُ على الخِرَقي؛ وأشهرُها كما هو معروف كتاب المُغني لابن قُدامة [1] [14] .

(1) [14] هناك ثلاثة أنواع من الدراسات لتاريخ الفقه الإسلامي: العروض الوصفية لكتب كل مذهب في مختلف العصور، والعروض المقارنة للموضوعات والأبواب والكتب في المذاهب المختلفة، والتتبع الأكاديمي لموضوعٍ واحد (مثل القواعد الفقهية في سائر الفقه الكلاسيكي. وفي العقود الاخيرة ازداد الاهتمام بأمرين: بعض الشخصيات الكبرى في الفقه، والسياقات السياسية والثقافية لظهور المذاهب وتطورها. بيد أنّ الدراسات حول طرائق عمل الفقيه ما تزال نادرة. قارن على سبيل المثال بالدراسة الوصفية الممتازة لمحمد إبراهيم علي: اصطلاح المذهب عند المالكية، دار البحوث والدراسات بدبي، 2002. وقارن بكتابٍ قديم نسبيًا هو التنظير الفقهي لجمال الدين عطية (1987.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت