على المؤتمر المحترمين بأن أبدأ في دراسة تصفية الوقف الذري. وقد استجيب للطلب وأنا لهم من الشاكرين.
ورب متسائل: ما هي المبررات التي حملت اللبنانيين على المطالبة بتصفية الوقف الذري أو المشترك؟ وما هي أسباب عدم اعتراضهم على هذا القانون وترحيبهم به؟
باعتقادنا أن الأسباب عديدة، منها سوء إدارة الأوقاف الذرية، وما آل إليه وضعها من خراب بالإضافة إلى ضآلة ريعها وضآلة ما يعود منه للمستحقين. وقد اقتنع بعض المسلمين وسائر اللبنانيين بأن الوقف لم يعد ينسجم مع تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
إن نية الواقف في الوقف الذري تكمن أصلًا في الرغبة بحماية ذريته من عاتيات الزمن. وهمه أن يؤمن سهولة عيش من يولد له من نسله ويصون ذكره ويخلده. فالوقف على الأغنياء مستبعد بداهة لأن الوقف قربة أي يرمي للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. ولقد اتفق جمهرة الفقهاء والأئمة على أن الوقف لا يصح إلا إذا كانت نية البر متحققة في إرادة الواقف، وأن تكون الجهة الموقوف عليها معتبرة قربة في نظر المسلمين، كالوقف على الفقراء والمساجد والمدارس كما نوهنا قبل قليل. ولو قام المتولون على الأوقاف الذرية بمهامهم كما يفترض أن يقوموا بها، لما كان هنالك شكوى من المتولين على هذه الأوقاف.
إن وجود الانتداب ومبادئ الإلحاد ساهما إلى حد بعيد في خلق جو يرمي إلى رفع سمة من سمات النظام الاجتماعي الإسلامي المتجسد بالأوقاف الإسلامية. ومما زاد في قيام الشكوى والتذمر من المتولين ضآلة الريع الناتج عنها بعدما كثر المستحقون له، وتزايدت متطلبات الحياة، وقيدت القوانين والظروف أوجه استعمال الأوقاف الذرية وتفشى التحاسد والتباغض فيما بين هؤلاء المستحقين وبين المتولين عليها، إلى درجة أن وضع الأوقاف أصبح وضعًا مزريًا فعلًا. فالشكاوى متكررة والمستحقون يتذمرون من خرابها وضآلة حصصهم فيها ومن المتولين معًا إن هذه الموجة بدأت في مصر في ظل الهيمنة الإنكليزية. وانتشرت بعد ذلك لتشمل لبنان وسوريا اللذين تقرر فيهما تضييق إمكان إنشاء أوقاف ذرية وتسهيل تصفيتها وتصفية الأوقاف القائمة سابقًا وإناطتها بالقضاء المدني دون القضاء الشرعي، مع أن القاعدة الكلية المتعلقة بالصيغ المتوازية تفرض أن يقوم القضاء الذي ينشئ الوقف بإعلان تصفيته أو بطلانه أو إلغائه، إلا أن ذلك لم ير وجها للتطبيق منعًا للحرج. ومع ذلك، فقد بقي إنشاء الوقف الذري منوطًا بالقضاء الشرعي إلا أنه غير رائج اليوم وقد تنقضي سنوات عدة قبل تسجيل وقف ذري جديد في المحاكم الشرعية.
الأوقاف كانت تمتد على مساحات شاسعة من لبنان إنما لا توجد إحصاءات دقيقة حول مجمل هذه المساحات، سواء كانت أوقافًا إسلامية أو غير ذلك. وقد قيل إن وجود الأوقاف من شأنه تجميد الثروة العقارية، طالما أن الوقف في ظل قانون الملكية العقارية لم يكن جائزًا بيعه أو