وقد استهل الإمام البخاري باب وقف الدواب والكراع والعروض والصامت- أي النقد من الذهب والفضة-برأي الإمام الزهري، وهو يدل على جواز القول عنده بوقف النقود، فجاء نص الأثر كما يأتي:
"وقال الزهري فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله، ودفعها إلى غلام له تاجر يتجر بها، وجعل ربحه للمساكين والأقربين، هل للرجل أن يأكل من ربح تلك الألف شيئا وإن لم يكن جعل ربحها صدقة في المساكين؟ قال: ليس له أن يأكل منها." (صحيح البخاري-مع شرحه فتح الباري 5/ 405، كتاب الوصايا)
قال العلامة أبو السعود في توضيح رأي الإمام ابن شهاب الزهري"ولفظ الوقف وإن لم يصرح في عبارته، ولكن جعل الأصل في سبيل الله، وجعل ربحه صدقة صريح في أن المراد به الوقف المعهود، كما يؤذن به إيراده ... في باب مترجم ب"وقف الكراع والعروض والصامت"، وبت القول منه بأن ليس للواقف أن يأكل الربح ظاهر في أن رأيه اللزوم في الوقف، وإلا لما جزم بذلك بناء على صحة الرجوع في الأصل كما لا يخفى." (رسالة في جواز وقف النقود لأبي السعود الحنفي، ص 21 - 22،ط: بيروت دار ابن حزم)
وقد ذهبت طائفة من أئمة المذاهب إلى جواز وقف النقود. وقد علل الحنفية رأيهم بأن الدراهم وإن كان لا ينتفع بأعيانها فإنما ينتفع ببدلها وهو قائم مقامها لعدم تعينها فكأنها باقية. (انظر: حاشية ابن عابدين 4/ 364)
ومن الجدير بالذكر أن الحنفية جعلوا الأصل في جواز الوقف هو التعامل، وبناء على ذلك أفتوا بجواز أن تقرض الدراهم للفقراء وتدفع مضاربة ويتصدق بالربح. (انظر: رسالة في جواز وقف النقود لأبي السعود ص 29)
وقال أبو محمد القيرواني المالكي:"ولو أوجب التحبيس في مال ناض، فأوقفه إلى أن يشتري به أصلا محبسا، فذلك جائز إذا اشترط فيه ذلك، وجعلها بيد غيره." (النوادر والزيادات 12/ 85)
وقد أشار ابن شاس في باب من الزكاة إلى جواز وقف المال للقرض على سائر الأنام. (عقد الجواهر الثمينة 1/ 316)
وقال النووي:"في وقف الدراهم والدنانير وجهان، كإجارتهما، إن جوزناها، صح الوقف لتكرى، ويصح وقف الحلي لغرض اللبس". (روضة الطالبين 5/ 315)