أحدهما يرجع إلى قصد الشارع، والآخر يرجع إلى قصد المكلف، فالأول: يعتبر من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء، ومن جهة قصده في وضعها للإفهام، ومن جهة قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها، ومن جهة قصده في دخول المكلف تحت حكمها"."
هذا التصور العميق المصاحب لنشوء نظرية المقاصد نستنتج منه أنها ملأت فراغا تشريعيا كان العلماء يتجرعون مرارة غيابه ولا يكادون يستسيغون عدم وجود وعاء تشريعي يستخرجون منه قواعد يحكمون بها على نوازل عصرهم، إلا أن وضع التصور وحده لا يكفي لإبراز المصطلح العلمي الحامل في مشمولاته أفرادا يمكن تفريعها إلى عدة أجناس، ولذا صدر الشاطبي كلامه عن منهجه الجديد اكتشافا، والمتأصل في كنوز الشريعة ابتداء بقوله:"تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث: أن تكون تحسينية."
لقد قدم الشاطبي هذا المنهج للعلماء على الطريقة التي جعلت المسلمين لم تبق واقعة تحدث على وجه الأرض إلا ووجدوا لها عالما يبين حكم الله فيها، وعند عدم وجود النص الصريح، ولم يسعف التفسير ولا الشرح على استنباط حكم له، ولم يشمله إجماع ولا قياس، وبيان حكمه تدعو إليه الحاجة، فإذا أضيف هذا إلى تنوع ابتكارات الإنسان وتكريس مجهوده الفكري والمادي لتسخير مخزونات الكون لتلبية حاجاته، وسد خلاته، وتوقف الأمر على معرفة حكم الله في الموضوع، هنا تتجلى عظمة