الذي يحكمه هذا المبتكر من جهة أولى هل يحمل جزءا من أنواع الحرام لا يهتدى إليه إلا بالبحث، وعندها يستخرج الحكم بحرمته، وهل يجر إلى مفسدة، ليحكم بمنعه درءا للمفسدة، وإذا خلي من أي محظور، يستدعي ذلك البحث عن الكلية التي أتى خادما لها، ليحدد هل يعتبر الحكم الذي سيصدر في شأنه ضروريا أو حاجيا أو تحسينيا، وهذا هو الذي في نظري امتزجت بواسطته نظرية المقاصد بمختلف أوجه التشريع، وأصبح استخدامها ضروريا رعيا للمصلحة، التي سنشاهد قريبا تصور الغزالي فيها.
قال أبو حامد:"إذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة" [1] .
لسنا بصدد الكلام على المصالح المرسلة لذاتها، ولكن نحاول استجلاء كل جوانب المقاصد الشرعية لإبراز دورها في سن التشريعات المعاصرة، وبهذا ندرك أن المصلحة المرسلة مصطلح أساسي يعد وعاء قادرا على استيعاب كل المستجدات ليرميها للساحة ممهورة بحكم فقهي مستنبط من مقصد الشارع، في جعل الأحكام معدة كلها لجلب مصالح للعباد، ولدرء مفاسد عنهم.
وعند تعارض مصلحتين ومقصودين، يلجأ حينئذ إلى ترجيح الأقوى كشرب الخمر للمكره عليه، وأكل مال الغير مكرها على أكله فالإقدام على أحد هذه الأفعال المحرمة إجماعا أقل ضررا من سفك الدم، لأن الحفاظ على النفس داخل تحت المقصد الضروري، والذي اتفقت عليه كل الشرائع.
قال الغزالي لم يبق شك في أن حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين أهم في مقاصد الشرع من حفظ شخص معين في ساعة أو نهار (يتكلم هنا
(1) المستصفى للغزالي، ج 2، ص 449.