هذا المبدأ يحتم على جهات التشريع في الأمة الإسلامية استحضار ابتعاد جلب المشقة والضيق، وما ينجم عنهما من حرج أثناء تهيئه النصوص المزمع تطبيقها على الأمة، خصوصا في المسائل الاجتهادية المستنبطة من المبادئ العامة، إذا تكلمت عن أحكام وقائع لم ينص في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس على حرمتها.
ولما ناقش الزركشي في البحر المحيط إجماع أهل المدينة، قال بأنه ليس بحجة من حيث إجماعهم، بل إما هو من جهة نقلهم المتواتر، وإما من جهة شهادتهم لقرائن الأحوال الدالة على مقاصد الشرع. قال: وهذا النوع الاستدلالي إن عارضه خبر، فالخبر أولى عند جمهور أصحابنا (الشافعية) وأورد قولا آخر بأن أصحابهم منهم من رجح ذلك الخبر بناء على أنه إجماع، وعقب عليه بأنه غير صحيح [1] .
من هذا القول نقتبس أنه يمكن أن يبحث عن مقصد الشرع من خلال قرائن الأحوال وتلك مرتكزات مرنة تفحص جميع الوقائع المتلاحقة لتفسح المجال أمام جهات التشريع لاستنباط الحكم لكل مستجد لم نجد له نصا بالاعتبار ولا بالإلغاء، ولم نستطع العثور على تشابه علته مع أخرى يمكن أن يقاس عليها. وإكراهات العولمة رمته في ساحة التعامل الإسلامي، ولا بد من إدراجه في لائحة المباح أو المحرم، وإذا لم نتعامل مع المقصد فلم نجد مبررا لإعلان حكم الشرع منه.
لكن استخلاص التشريع من مقصد الشارع لا بد أن يتقيد بالمنهج الذي ذكره القرافي في البروق في أنواع الفروق حيث قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما"إذا سمعتم قراءة كتاب الله تعالى فاستمعوا، فإنه"
(1) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام الشافعي، ج 6، ص 119.